زلزال في أقبو: "الأولمبيك" يبعثر أوراق "الخضورة" ويشعل صراع الوصافة
في ظهيرة يوم من أيام الربيع الجزائري المعتدل، وتحديداً في السابع عشر من مارس لعام 2026، كانت أنظار عشاق الساحرة المستديرة في "بلد المليون ونصف المليون شهيد" تتجه صوب ملعب لقاء القمة بين اولمبيك اقبو وضيفه الثقيل شباب قسنطينة. لم تكن مجرد مباراة في إطار الجولة الحادية والعشرين من الدوري الجزائري المحترف، بل كانت صراعاً على الهوية، واختباراً حقيقياً لطموح الصاعد الجديد أمام عراقة "العميد" القسنطيني. وبصافرة النهاية، أعلن "الأولمبيك" عن نفسه بقوة، محققاً انتصاراً ثميناً بهدف نظيف، قلب به الطاولة على حسابات المقدمة وأشعل فتيل المنافسة على المراكز الأولى.
أجواء مشحونة وطموحات تعانق السماء
قبل انطلاق المباراة بساعات، كانت شوارع مدينة أقبو تتنفس كرة القدم. الجماهير المحلية، التي باتت تؤمن أن فريقها لم يعد مجرد ضيف شرف في المحترف الأول، ملأت جنبات الملعب مبكراً، صانعة لوحة فنية بألوان النادي. في المقابل، رحل أنصار "الخضورة" خلف فريقهم كعادتهم، يحدوهم الأمل في العودة بالنقاط الثلاث لتعزيز مركزهم الثاني ومطاردة الصدارة. دخل شباب قسنطينة اللقاء وهو يحتل وصافة الترتيب برصيد 38 نقطة، بينما كان اولمبيك اقبو يتربص في المركز الرابع برصيد 33 نقطة، مما جعل المباراة بمثابة "مباراة بـ 6 نقاط" في حسابات المربع الذهبي.
كانت التوقعات تشير إلى مباراة مغلقة تكتيكياً، نظراً للقوة الدفاعية التي يتمتع بها الضيوف، والروح القتالية التي يظهرها أصحاب الأرض في معقلهم. فالإحصائيات قبل اللقاء كانت تنصف "الأولمبيك" الذي حقق 6 انتصارات على أرضه، ولم يتجرع مرارة الهزيمة سوى في مناسبة واحدة، مما جعل من ملعبهم حصناً منيعاً يصعب اختراقه حتى على الكبار.
الشوط الأول: جس نبض وحذر تكتيكي
انطلقت المباراة في تمام الساعة الثانية ظهراً، ومعها انطلقت الهتافات التي هزت أركان الملعب. اتسمت الدقائق الأولى بالحذر الشديد من الجانبين؛ حيث ركز مدرب شباب قسنطينة على إغلاق المساحات والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة، مستفيداً من خبرة لاعبيه في التعامل مع ضغط المباريات الكبرى. في المقابل، حاول لاعبو اولمبيك اقبو السيطرة على وسط الميدان، معتمدين على التمريرات القصيرة والتحركات العرضية لخلخلة الدفاع القسنطيني المتماسك.
مرت الدقائق والشوط الأول يلفظ أنفاسه وسط صراعات بدنية قوية في دائرة المنتصف، حيث غابت الفرص الخطيرة الحقيقية على المرميين، وكأن كل فريق يخشى المغامرة التي قد تكلفه هدفاً يصعب تعويضه. انتهى النصف الأول من المعركة كما بدأ، سلبياً في النتيجة، لكنه كان غنياً بالدروس التكتيكية والندية التي تنبأت بشوط ثانٍ أكثر إثارة.
الشوط الثاني: لحظة الانفجار وفرحة "أقبو"
مع بداية الشوط الثاني، تغير السيناريو تماماً. دخل أصحاب الأرض برغبة جامحة في التسجيل، مدفوعين بمؤازرة جماهيرية منقطعة النظير. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع؛ هجمة منظمة من رواق الملعب انتهت بعرضية متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها مهاجم اولمبيك اقبو ليودعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول والوحيد في المباراة وسط انفجار بركاني من الفرحة في المدرجات.
هذا الهدف بعثر أوراق الضيوف تماماً، مما دفع مدرب شباب قسنطينة لإجراء تبديلات هجومية بغية العودة في النتيجة. ضغط "السياسي" بكل ثقله، وتنوعت محاولاته بين الكرات العرضية والتسديد من بعيد، إلا أن دفاع "الأولمبيك" كان في يومه، حيث استبسل اللاعبون في الذود عن مرمامهم، ومن خلفهم حارس مرمى كان بمثابة صمام الأمان، محبطاً كل المحاولات القسنطينية للتعادل.
التحليل الفني: كيف سقط الوصيف؟
بالنظر إلى مجريات اللقاء، نجد أن اولمبيك اقبو نجح في استغلال عاملي الأرض والجمهور على أكمل وجه. الإحصائيات الختامية للمباراة تعكس تفوقاً طفيفاً لأصحاب الأرض في الاستحواذ الفعال، حيث رفعوا رصيد انتصاراتهم إلى 10 انتصارات هذا الموسم، معززين سجلهم القوي في الديار بسبعة انتصارات من أصل 11 مباراة لعبوها في ملعبهم. في المقابل، تلقى شباب قسنطينة خسارته الخامسة هذا الموسم، وهي خسارة مؤلمة خارج القواعد، جمدت رصيدهم عند 38 نقطة.
كانت التبديلات التي أجراها مدرب "الأولمبيك" حاسمة في الحفاظ على توازن الفريق في الدقائق الأخيرة، حيث نجح في ضخ دماء جديدة في خط الوسط لإيقاف المد الهجومي للضيوف. ورغم الضغط الرهيب في الدقائق الخمس الأخيرة، إلا أن رفاق القائد في "أقبو" أظهروا نضجاً كبيراً في تسيير الدقائق الحرجة، مجبرين "العميد" على العودة إلى قسنطينة بخفي حنين.
الخاتمة: خارطة طريق جديدة للمقدمة
بهذا الفوز التاريخي، رفع اولمبيك اقبو رصيده إلى 36 نقطة، ليقلص الفارق بينه وبين شباب قسنطينة إلى نقطتين فقط، ويقفز بقوة نحو صراع المركز الثاني. هذه النتيجة لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل هي رسالة شديدة اللهجة لكل فرق الدوري الجزائري بأن "الأولمبيك" قادم للمنافسة على المقاعد القارية، وأن طموحه لا يحده سقف.
أما بالنسبة لشباب قسنطينة، فإن هذه الهزيمة دقت ناقوس الخطر، حيث بات مركز الوصافة مهدداً أكثر من أي وقت مضى. سيتعين على "الخضورة" مراجعة حساباتهم سريعاً والتعافي من هذه الصدمة قبل الجولات القادمة. لقد كانت ليلة كروية بامتياز، أثبتت مرة أخرى أن الدوري الجزائري لا يعترف بالأسماء بقدر ما يعترف بالجهد والعرق فوق المستطيل الأخضر، ليبقى اولمبيك اقبو هو العريس المتوج في هذه الجولة بانتصار سيبقى طويلاً في ذاكرة أنصاره.


