إثارة ستاد السويس.. المصري وإنبي يقتسمان النقاط في ملحمة كروية لا تُنسى
في ليلةٍ كرويةٍ تجلت فيها كل معاني الندّية والإثارة، وتحت أضواء ستاد السويس الجديد الكاشفة، شهدت منافسات "مجموعة البطولة" في دوري نايل المصري مواجهةً حابسةً للأنفاس جمعت بين المصري البورسعيدي وإنبي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً تكتيكياً وجسدياً عنيفاً انتهى بتعادلٍ مثير بهدفين لكل فريق، في لقاءٍ لم يبح بكامل أسراره إلا مع صافرة النهاية التي أطلقها الحكم محمود أحمد بسيوني، ليعلن عن اقتسام النقاط في ملحمةٍ جسدت طموحات الفريقين في اعتلاء قمة الهرم الكروي المصري.
بداية صاعقة وزلزال في الدقائق الأولى
لم يكد الجمهور يلتقط أنفاسه، ولم تكن عقارب الساعة قد أتمت دورتها الرابعة، حتى صعق محمد شريف حتحوت الجميع بهدفٍ مبكرٍ منح التقدم لـ إنبي. كان الهدف بمثابة "دش بارد" على طموحات أبناء بورسعيد، حيث استغل حتحوت ارتباكاً دفاعياً ليضع الكرة في الشباك، معلناً عن نوايا الفريق البترولي الهجومية تحت قيادة مدربه المحنك حمزة الجمل. هذا الهدف المبكر أشعل فتيل المباراة مبكراً، ودفع لاعبي المصري للاندفاع نحو الهجوم، مما جعل اللعب يتسم بالخشونة والتوتر في وسط الميدان.
ومع تصاعد وتيرة اللعب، بدأ الحكم محمود بسيوني في إشهار البطاقات الصفراء للسيطرة على الأجواء المشحونة؛ ففي الدقيقة 13 نال محمد الشامي إنذاراً للتدخل القوي، وتبعه أحمد العجوز من جانب إنبي في الدقيقة 17، ثم بونور موغيشا من المصري في الدقيقة 19. كانت الأجواء في الملعب توحي بأن انفجاراً تهديفياً قادماً لا محالة، فالمصري استحوذ على الكرة بنسبة وصلت إلى 57%، محاولاً فك طلاسم الدفاع البترولي المنظم.
جنون اللحظات الأخيرة من الشوط الأول
بينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، بلغت الإثارة ذروتها. في الدقيقة 41، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح المصري البورسعيدي، انبرى لها ميدو جابر بهدوء وثقة، واضعاً الكرة في المرمى ليعيد "النسور الخضر" إلى نقطة الصفر وسط فرحة عارمة في المدرجات. لكن هذه الفرحة لم تدم سوى ثوانٍ معدودة؛ ففي سيناريو سينمائي مذهل، وفي الدقيقة 42 مباشرة، شن إنبي هجمة مرتدة سريعة قادها صاحب الهدف الأول محمد شريف حتحوت، الذي أرسل تمريرة حاسمة متقنة ارتقى لها أقطاي عبدالله ليودعها الشباك، معيداً التقدم لإنبي قبل الدخول لغرف الملابس.
انتهى الشوط الأول بتقدم إنبي 2-1، وسط حالة من الذهول أصابت دكة بدلاء المصري بقيادة عماد النحاس، الذي كان عليه التدخل سريعاً لتصحيح المسار، خاصة بعد أن تلقى كريم العراقي وأحمد صبيحة بطاقات صفراء في الدقائق الأخيرة، مما زاد من تعقيد الحسابات الفنية للمدربين.
انتفاضة "النسور" وتغييرات قلبت الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى عماد النحاس تغييرات جريئة دفعة واحدة، حيث دفع بـ عمر الساعي وكريم بامبو بدلاً من بونور موغيشا ومحمد الشامي، في محاولة لضخ دماء جديدة في الشق الهجومي. وفي المقابل، حاول حمزة الجمل تأمين دفاعاته بإقحام سليمان جاربا. سيطر المصري طولاً وعرضاً على مجريات اللعب، وشن هجمات متتالية وصلت في مجملها إلى 17 تسديدة على المرمى طوال المباراة، مقابل 11 لإنبي.
الضغط البورسعيدي أثمر أخيراً في الدقيقة 76، عندما انطلق عبدالرحيم دغموم بمهارة فائقة على الجانب، مرسلاً عرضية بالمقاس على رأس منذر تيمين، الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى، معلناً عن هدف التعادل الثاني للمصري. اشتعل الملعب من جديد، وبدت المباراة وكأنها تسير نحو فوز بورسعيدي في ظل التراجع البدني للاعبي إنبي والضغط الجماهيري الكبير.
صراع الأمتار الأخيرة وذكاء المدربين
في الربع ساعة الأخير، تحولت المباراة إلى شطرنج تكتيكي؛ حمزة الجمل دفع بـ زياد كمال وأحمد ذكي وسيد سعيد لتأمين وسط الملعب، ثم فاجأ الجميع بإشراك محمود عبد المنعم "كهربا" في الدقيقة 82 لعلّه يقتنص هدف الفوز من مرتدة سريعة. أما النحاس، فقد واصل مغامرته بإشراك أحمد القرموطي وعمرو السعداوي، ثم كينجسلي إدوو في الدقائق الأخيرة بدلاً من صاحب الهدف منذر تيمين.
رغم المحاولات المستمرة من الجانبين، إلا أن الدفاعات ظلت صامدة. المصري كان الأكثر خطورة بفضل تحركات دغموم والساعي، لكن إنبي أثبت لماذا يتصدر جدول الترتيب بصلابته الدفاعية وقدرته على امتصاص حماس الخصم. استمر السجال حتى أعلن الحكم صافرة النهاية بعد 6 دقائق وقت بدل ضائع، لتنتهي القمة بتعادلٍ عادلٍ أرضى الطرفين تقنياً، لكنه ترك غصة في قلب المصري الذي كان يطمح للنقاط الثلاث على أرضه.
خاتمة: نقطة ثمينة وصراع مستمر
بهذه النتيجة، رفع إنبي رصيده إلى 5 نقاط ليحافظ على صدارة الدوري مؤقتاً، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة البطولة هذا الموسم بفضل تنظيمه الدفاعي وفعاليته الهجومية العالية، حيث سجل هدفين من أصل تسديدتين فقط على المرمى. أما المصري البورسعيدي، فقد وصل للنقطة الثانية في المركز الخامس، ورغم عدم تحقيقه للفوز، إلا أن الأداء القوي والروح القتالية التي أظهرها الفريق، والقدرة على العودة في النتيجة مرتين، تعطي مؤشرات إيجابية لجمهور بورسعيد بأن فريقهم يسير في الطريق الصحيح تحت قيادة عماد النحاس.


