تعادل بطعم الإثارة في معقل "التارديني": نابولي ينجو من فخ بارما في ليلة الصاعقة المبكرة
لم يكد الصمت يغادر مدرجات ملعب إنيو تارديني العريق، ولم يكد المشجعون يأخذون أماكنهم فوق المقاعد الباردة في ظهيرة ذلك اليوم، حتى انفجر البركان في قلب بارما. في مواجهة حبست الأنفاس ضمن منافسات الدوري الإيطالي، تقاسم بارما ونابولي نقاط المباراة بعد تعادل إيجابي بهدف لمثله، في ملحمة كروية لم تكن مجرد أرقام على لوحة النتائج، بل كانت صراعاً تكتيكياً مريراً بين طموح "كارلوس كويستا" وخبرة "أنطونيو كونتي".
صاعقة في الدقيقة الأولى تزلزل أركان الجنوب
دخل نابولي المباراة وهو يضع نصب عينيه النقاط الثلاث لتعزيز مركزه الثاني في جدول الترتيب، لكن كرة القدم لا تعترف بالحسابات الورقية. مع أول إطلاق لصافرة الحكم ماركو دي بيلو، وبدقة متناهية لم تتجاوز الستين ثانية، شن بارما هجوماً خاطفاً ضرب به عمق دفاعات أبناء الجنوب. مرر نيستا إلفيج كرة حريرية وضعت جابرييل ستريفيزا في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك، معلناً عن تقدم أصحاب الأرض بهدف مبكر صعق كتيبة أنطونيو كونتي وتركهم في حالة من الذهول الذهني.
هذا الهدف المبكر غيّر إيقاع المباراة تماماً؛ حيث تقوقع بارما في مناطقه الدفاعية معتمداً على تنظيم دفاعي محكم بقيادة أليساندرو تشيركاتي، محاولاً امتصاص غضب "البارتينوبي". في المقابل، حاول نابولي استعادة توازنه عبر تحركات ماتيو بوليتانو وعبقرية كيفين دي بروين في وسط الميدان، إلا أن الشوط الأول انتهى على وقع تقدم بارما الذي عرف كيف يسير بالدفة نحو بر الأمان مؤقتاً، وسط أجواء مشحونة بالتوتر في المدرجات.
تحولات تكتيكية وزلزال "ماكتومناي"
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك أنطونيو كونتي أن الاستمرار بنفس النهج يعني العودة إلى الديار بخفي حنين. أجرى تغييراً فورياً بخروج "خوان جيسوس" ودخول سام بوكيما لضخ دماء جديدة في الخط الخلفي، ثم أتبعه بدخول أليسون سانتوس بدلاً من "فرانك انغويسا". هذه التغييرات رفعت من وتيرة الضغط النابولي، وأجبرت بارما على التراجع أكثر فأكثر إلى حدود منطقة جزائه.
وفي الدقيقة 60، أتت لحظة الانفراج لجمهور نابولي الرحال؛ حيث استلم العملاق راسموس هويلند كرة صعبة داخل المنطقة، وبذكاء المهاجم الفذ، هيأها للقادم من الخلف سكوت ماكتومناي. لم يتوانَ النجم الاسكتلندي في إيداع الكرة المرمى، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. اشتعلت الأجواء في "إنيو تارديني"، وبدأ الصراع يأخذ منحى بدنياً عنيفاً، حيث تسابق المدربان على إجراء التبديلات للسيطرة على وسط الملعب.
صراع البدلاء والدقائق المجنونة
لم يقف مدرب بارما "كارلوس كويستا" مكتوف الأيدي، فدفع بـ أوليفر ينسن وناهويل استيفيز وكريستيان أوردونيز تباعاً للحفاظ على حيوية فريقه. في المقابل، واصل كونتي مغامرته الهجومية بإدخال سانتانا دو جيوفاني وإلجيف إلماس، ثم ميجل جوتيريز في الدقائق الأخيرة. المباراة تحولت إلى رقعة شطرنج بشرية، كل حركة فيها محسوبة بدقة، وكل تمريرة قد تعني خسارة كل شيء.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، زاد التوتر وظهرت البطاقات الملونة؛ حيث نال المدافع أليساندرو تشيركاتي بطاقة صفراء في الدقيقة 83 نتيجة تدخل خشن لإيقاف هجمة مرتدة واعدة لنابولي. هذه البطاقة كانت انعكاساً للضغط الهائل الذي مارسه الضيوف في الدقائق العشر الأخيرة، حيث حاصروا بارما في ثلث ملعبه، لكن استبسال حارس المرمى ومن أمامه خط الدفاع حال دون وصول نابولي للهدف الثاني.
تحليل فني: كيف سُرق الفوز من الجميع؟
إحصائياً، كانت المباراة تعكس صراعاً بين فريق يمتلك الاستحواذ والحلول الفردية (نابولي) وفريق يمتلك الروح القتالية والانضباط التكتيكي (بارما). نابولي الذي يمتلك 66 نقطة في المركز الثاني، أظهر شخصية قوية بعودته في النتيجة، لكنه افتقد للنجاعة الهجومية في اللمسة الأخيرة أمام مرمى فريق يحتل المركز الرابع عشر بـ 36 نقطة. التبديلات التي أجراها كونتي كانت تهدف لزيادة الكثافة العددية، بينما كانت تبديلات كويستا تهدف لتأمين النقطة الغالية.
أدار الحكم ماركو دي بيلو اللقاء باقتدار، محاولاً السيطرة على الانفعالات المتزايدة بين اللاعبين، خاصة في ظل الالتحامات القوية التي ميزت الربع الأخير من المباراة. التنظيم الدفاعي لبارما كان هو النجم الأول، حيث نجحوا في تحجيم خطورة "هويلند" و"دي بروين" في معظم فترات اللقاء، باستثناء هفوة الهدف.
الخاتمة: نقطة للأمل ونقطة للندم
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 96 دقيقة من الركض المتواصل، ساد شعور مختلط في الملعب. بالنسبة لبارما، هذا التعادل هو بمثابة انتصار معنوي كبير أمام أحد عمالقة "الكالتشيو"، ونقطة تضاف لرصيدهم لتعزيز وضعهم في وسط الجدول. أما بالنسبة لنابولي وأنطونيو كونتي، فإن التعادل قد يكون طعمه مراً، إذ ضاعت فرصة لتضييق الخناق على المتصدر، لكنه في الوقت ذاته أثبت أن الفريق يمتلك الصلابة للعودة حتى في أصعب الظروف.
رحل نابولي عن بارما بنقطة وحيدة، وترك خلفه تساؤلات حول قدرة الدفاع على الصمود في اللحظات الأولى، بينما احتفل جمهور بارما بفريقهم الذي أثبت أن ملعب إنيو تارديني سيبقى دائماً حصناً يصعب اختراقه، حتى على الطامحين في اعتلاء عرش الكرة الإيطالية.


