ليلة القبض على الكأس.. بيراميدز يكسر العقدة ويعانق المجد على حساب زد في قلب القاهرة
تحت أضواء ستاد القاهرة الدولي الكاشفة، وفي ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي العاصمة المصرية، حبست الأنفاسُ وتعلقت القلوبُ بساحرةٍ مستديرة أبت إلا أن تكتب فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم المصرية. كان المشهدُ مهيباً، والرهانُ عظيماً؛ نهائي كأس مصر الذي يجمع بين طموح "زد اف سي" الوافد بقوة، وخبرة "بيراميدز" الباحث عن معانقة الذهب لأول مرة في تاريخه. انتهت الملحمةُ بفوزٍ غالٍ لبيراميدز بنتيجة 2-1، في مباراةٍ لم تكن مجرد تنافسٍ على كرة، بل كانت صراعاً تكتيكياً وجماهيرياً بامتياز، أداره باقتدار الحكم الدولي محمد معروف.
صمت ما قبل العاصفة.. حذرٌ وتوجس
دخل الفريقان أرضية الملعب وعيونُ اللاعبين تعكسُ حجم المسؤولية؛ محمد شوقي، مدرب "زد اف سي"، كان يطمح لكتابة تاريخٍ شخصيٍ ونادٍ وليد، بينما وقف الكرواتي "كرونوسلاف يورسيتش" على الجانب الآخر يخطط لفك عقدة النهائيات التي طاردت بيراميدز طويلاً. بدأت المباراة بحذرٍ دفاعيٍ شديد، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان، مع محاولاتٍ خجولة لاختراق الحصون. وفي الدقيقة 36، ارتفعت وتيرة التوتر عندما أشهر الحكم بطاقةً صفراء في وجه لاعب زد محمود صابر بعد تدخلٍ قوي، ليعلن عن بداية مرحلة "تكسير العظام" في الشوط الأول.
وبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول بالتعادل السلبي، تدخلت التكنولوجيا لتعيد رسم سيناريو المباراة؛ ففي الدقيقة 42، استدعت غرفة "VAR" الحكم محمد معروف لمراجعة لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء زد. وبعد ترقبٍ ساد المدرجات، أشار معروف إلى نقطة الجزاء وسط اعتراضات لاعبي زد وفرحة عارمة في معسكر بيراميدز. انبرى للكرة الظهير الأيسر كريم حافظ، وببرود أعصابٍ يحسد عليه، وضع الكرة في الشباك في الدقيقة 45+1، معلناً عن أول أهداف اللقاء ومنحاً فريقه تفوقاً معنوياً قبل الذهاب لغرف الملابس.
لدغة "مايلي" وصمود "السماوي" في وجه الإعصار
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك محمد شوقي أن عليه المجازفة، فدفع بـ شادي حسين بدلاً من أحمد خالد كباكا لتنشيط الهجوم. ورغم سيطرة "زد" على الكرة التي وصلت نسبتها إلى 58% طوال المباراة، إلا أن بيراميدز كان الأكثر واقعيةً وخطورة. وفي لحظةٍ اتسمت بالبراعة الفنية، عاد كريم حافظ ليؤدي دور صانع الألعاب، حيث أرسل تمريرةً حاسمةً متقنة في الدقيقة 57، انقض عليها القناص الكونغولي فيستون مايلي ليودعها الشباك، محرزاً الهدف الثاني لبيراميدز ومصعباً المهمة على رفاق "زد".
لم يستسلم "زد"، وحاول العودة للمباراة عبر سلسلة من التبديلات، حيث دخل سليمان مامادو باه وزياد طارق ورأفت خليل، في محاولة لفك شفرات دفاع بيراميدز الذي استبسل بقيادة أسامة جلال، الذي نال بطاقة صفراء في الدقيقة 62 نتيجة قتاله على كل كرة. الأجواءُ اشتعلت أكثر في الدقيقة 81، عندما أشهر الحكم محمد معروف البطاقة الحمراء في وجه لاعب بيراميدز مصطفي زيكو، ليترك فريقه يكمل الدقائق الأخيرة بعشرة لاعبين، مما فتح الباب أمام "زد" لشن هجومٍ كاسح.
دراما الدقائق الأخيرة.. هدفٌ لا يكفي للعودة
استغل "زد" النقص العددي، وضغط بكل خطوطه، مما أجبر يورسيتش على إجراء تبديلاتٍ دفاعية، فدفع بـ أحمد توفيق والحارس عوده الفاخوري لتأمين النتيجة. وفي الدقيقة 90+2، اشتعلت المدرجات مجدداً عندما نجح البديل رأفت خليل في تقليص الفارق بتسجيل هدفٍ رائع بعد تمريرةٍ من مصطفى سعد ميسي، وهو الهدف الذي أكدته تقنية الفيديو بعد لحظاتٍ من الترقب. أصبحت النتيجة 2-1، وبدأت الدقائق السبع المضافة كوقت بدل ضائع كأنها دهرٌ كامل على جماهير بيراميدز.
توالت الهجمات، وارتفعت البطاقات الصفراء لتشمل طارق علاء من زد ومحمد حمدي ومحمود زلاكا من بيراميدز، في إشارة إلى القتال الشرس على كل شبرٍ من الملعب. ورغم وصول عدد تمريرات "زد" إلى 377 تمريرة بدقة بلغت 84%، إلا أن دفاع بيراميدز وحارس مرماه وقفوا سداً منيعاً أمام المحاولات الأخيرة، حتى أطلق محمد معروف صافرة النهاية، معلناً تتويج بيراميدز بلقب كأس مصر.
قراءة فنية في ليلة التتويج
أثبتت المباراة أن كرة القدم لا تعترف دائماً بلغة الاستحواذ؛ فقد كان بيراميدز الأكثر فاعلية بـ 11 تسديدة منها 6 على المرمى، مقابل 5 تسديدات فقط لـ "زد" منها 3 بين القائمين والعارضة. كانت تبديلات المدرب "يورسيتش" تهدف إلى امتصاص حماس المنافس، خاصة بعد طرد زيكو، حيث نجح يوسف أوباما وأحمد توفيق في غلق المساحات في اللحظات الحرجة. في المقابل، قدم "زد" مباراةً تكتيكيةً كبيرة وأظهر شخصية الفريق البطل، لكن نقص الخبرة في التعامل مع النهائيات حال دون عودته في النتيجة.
بهذا الانتصار، يكسر بيراميدز نحساً طويلاً، ويضع أولى كؤوسه في خزائنه، معلناً عن نفسه كقوةٍ لا يستهان بها في الخارطة الكروية المصرية. أما "زد"، فقد كسب احترام الجميع بأداءٍ بطوليٍ حتى الرمق الأخير، مؤكداً أن وصوله للنهائي لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج عملٍ منظم وموهبةٍ فذة ستكون لها كلمةٌ عليا في المواسم القادمة.


