إعصار "النيروفيردي" يضرب في دقيقتين: ساسولو يروض طموح كومو في ليلة "دال آرا" المثيرة
تحت أضواء ملعب ريناتو دال آرا الكاشفة، وفي أمسية كروية تعبق برائحة التكتيك الإيطالي الرفيع، حبست جماهير الدوري الإيطالي أنفاسها وهي تتابع صداماً لم يكن مجرد مباراة عابرة، بل كان صراعاً بين طموح الصاعد الواعد وعراقة المتمرس. في مواجهة جمعت بين ساسولو وضيفه الثقيل كومو، نجح أصحاب الأرض في انتزاع فوز ثمين بنتيجة 2-1، في مباراة تجلت فيها ملامح الإثارة والندية منذ صافرة البداية وحتى اللحظات الأخيرة التي شهدت صموداً بطولياً لكتيبة المدرب فابيو جروسو.
حوار العقول بين جروسو وفابريجاس
لم تكن المباراة مجرد ركض خلف الكرة، بل كانت "مباراة شطرنج" بين عقلين كرويين ناضجين؛ فابيو جروسو الذي يبحث عن الاستقرار لساسولو، وسيسك فابريجاس الذي يحاول صياغة هوية هجومية جريئة لكومو. دخل الفريقان الملعب وسط أجواء مشحونة بالتوقعات، حيث كان كومو يمني النفس بنقاط تعزز موقعه في المنطقة الدافئة، بينما دخل ساسولو وعينه على استغلال عاملي الأرض والجمهور لكسر شوكة الضيوف.
منذ الدقائق الأولى، فرض الحكم فرانسيسكو فورنياو شخصيته على الميدان، محاولاً كبح جماح الاندفاع البدني. ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت البطاقات الملونة تظهر في الأفق، حيث نال جاكوبو رامون بطاقة صفراء مبكرة في الدقيقة 14 نتيجة تدخل عنيف، تبعها المهاجم المخضرم ألفارو موراتا بإنذار آخر في الدقيقة 27، مما عكس حالة التوتر والضغط التي عاشها لاعبو كومو أمام التنظيم الدفاعي المحكم لساسولو.
دقيقتان من الجنون: زلزال ساسولو يضرب بقوة
بينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، والجميع يستعد لصافرة الاستراحة، انفجر بركان ساسولو فجأة ليغير خارطة المباراة تماماً. في الدقيقة 42، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، أرسل مبالا نزولا تمريرة حاسمة وضعت الشاب كريستيان فولباتو في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك معلنة الهدف الأول وسط فرحة عارمة في مدرجات "دال آرا".
ولم يكد لاعبو كومو يستفيقون من صدمة الهدف الأول، حتى عاد ساسولو ليوجه ضربة قاضية ثانية في غضون دقيقتين فقط. هذه المرة، تقمص أرماند لاورينتي دور صانع الألعاب، مهدياً كرة ذهبية للمتألق مبالا نزولا في الدقيقة 44، والذي لم يتوانَ عن إيداعها المرمى، محولاً تألقه في صناعة الهدف الأول إلى بصمة تهديفية شخصية في الهدف الثاني. هكذا، وفي رمشة عين، تحولت المباراة من تعادل سلبي إلى تقدم مريح لساسولو بهدفين نظيفين.
انتفاضة كومو وتعديلات فابريجاس الجريئة
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك سيسك فابريجاس أن عليه التدخل فوراً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أجرى "السبيشال ون" الإسباني تبديلات جذرية دفعة واحدة، بخروج كل من إيفان سمولسيتش، مارتن باتورينا، وماكسين كاكوريت، ودفع بالثلاثي ميرجيم فودشفودا، أناستاسيوس دوفيكاس، وماكسيمو بيروني. كانت الرسالة واضحة: الهجوم ولا شيء غيره.
آتت هذه التغييرات ثمارها سريعاً، ففي الدقيقة 48 (الثانية من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع للشوط الأول تقنياً ولكنها كانت بداية الزخم الفعلي)، نجح الموهوب نيكو باز في تقليص الفارق بتسجيله هدفاً رائعاً بعد تمريرة من إيفان سمولسيتش قبل خروجه، ليعيد الأمل لصفوف كومو ويشعل المباراة من جديد. هذا الهدف غير من ريتم اللقاء، حيث تراجع ساسولو لتأمين دفاعاته، بينما اندفع كومو بكل ثقله نحو الهجوم.
صراع الإرادة ومعركة وسط الميدان
شهد النصف الثاني من المباراة معركة بدنية طاحنة، حيث اضطر لاعبو ساسولو لارتكاب الأخطاء لإيقاف مد كومو الهجومي. نال إسماعيل كوني بطاقة صفراء في الدقيقة 51، وتلاه كريستيان ثورستيفد بإنذار في الدقيقة 82. وفي المقابل، لم يتوقف فابريجاس عن المحاولة، حيث دفع بـ نيكولاس كوهن بدلاً من لوكاس دا كونها في الدقيقة 72 لزيادة الفاعلية الهجومية.
من جانبه، أظهر فابيو جروسو حنكة كبيرة في إدارة الدقائق الحرجة. سحب صاحب الهدف الأول فولباتو ودفع بـ أليو فيدارا لتنشيط الأطراف، ثم عزز خط الوسط بخروج نيمانيا ماتيتش ودخول الشاب لوكا ليباني، كما أشرك أندريا بينامونتي بدلاً من نجم اللقاء مبالا نزولا في الدقيقة 76 للحفاظ على الضغط في الأمام ومنع مدافعي كومو من التقدم المريح.
الخاتمة: ساسولو يتنفس الصعداء وكومو يتحسر
مع إطلاق الحكم فرانسيسكو فورنياو صافرة النهاية، تنفس عشاق "النيروفيردي" الصعداء. لقد كانت مباراة مليئة بالتحولات الدراماتيكية، حيث لعبت فيها "دقيقتي الجنون" في نهاية الشوط الأول الدور الحاسم في تحديد هوية الفائز. ساسولو، بفضل هذا الانتصار، رفع رصيده إلى 45 نقطة مستقراً في المركز التاسع، ومثبتاً أقدامه في منطقة الأمان بعيداً عن حسابات الهبوط المعقدة.
أما كومو، فرغم الخسارة، فقد أثبت أنه فريق يمتلك الشخصية والقدرة على العودة، حيث ظل يقاتل حتى الدقيقة 94. تجمد رصيد كتيبة فابريجاس عند 58 نقطة في المركز الخامس، وهي خسارة قد تؤثر على طموحاتهم في حجز مقعد أوروبي، لكن الأداء البطولي الذي قدموه في الشوط الثاني يترك الباب مفتوحاً أمام تعويض قريب. في النهاية، كانت ليلة ريناتو دال آرا ليلة التألق لنزولا وفولباتو، وليلة الصمود التكتيكي لجروسو الذي عرف كيف يسرق النقاط الثلاث من بين أنياب الضيوف.


