صراع العمالقة في "سان سيرو".. حينما تحبس الأنفاس وتأبى الشباك أن تهتز
تحت أضواء ملعب "سان سيرو" المهيبة، وفي ليلة من ليالي الدوري الإيطالي التي تفوح منها رائحة التاريخ، احتضنت مدينة ميلانو قمة كروية جمعت بين ميلان وضيفه الثقيل يوفنتوس. لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت فصلاً جديداً من فصول "كلاسيكو إيطاليا" الذي يحبس أنفاس الملايين. ورغم أن الصافرة النهائية للحكم سيمون سوزا أعلنت عن تعادل سلبي مخيب للأرقام، إلا أن تفاصيل المباراة كانت قصة مليئة بالتوتر، التكتيك، والدراما التي لم تنتهِ إلا مع الدقيقة السابعة بعد التسعين.
بداية حذرة وطموحات مشروعة
دخل الفريقان أرضية الميدان والضغوطات تسبقهما؛ ميلان صاحب المركز الثالث يسعى لتثبيت أقدامه، ويوفنتوس الذي يطارده في المركز الرابع يطمح لقلب الطاولة. انطلقت المباراة بحذر شديد، حيث اعتمد مدرب ميلان ماسيميليانو آليغري على إغلاق المساحات، بينما حاول لوسيانو سباليتي مدرب "السيدة العجوز" فرض إيقاعه من خلال الاستحواذ الذي وصل في مجمله إلى 52% لصالح الضيوف.
أولى ملامح التوتر ظهرت في الدقيقة العشرين، عندما اضطر الحكم سوزا لإشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب يوفنتوس أندريا كامبياسو لإيقاف هجمة ميلانية واعدة. هذا الإنذار كان بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الحماس في المدرجات، لتبدأ الملاحم البدنية في وسط الملعب بقيادة المخضرم لوكا مودريتش من جانب "الروسونيري".
دراما "الفار" تسرق الفرحة من تورام
وصلت الإثارة إلى ذروتها في الدقيقة السادسة والثلاثين، عندما انشقت الأرض عن كيفرين تورام الذي أرسل كرة سكنت شباك ميلان، لتهتز أركان الملعب بصرخات جماهير يوفنتوس. لكن الفرحة لم تدم طويلاً؛ فبعد العودة إلى تقنية الفيديو "VAR"، قرر الحكم إلغاء الهدف بداعي وجود مخالفة، ليعود الصمت المطبق على مدرجات الضيوف وتتنفس جماهير "سان سيرو" الصعداء.
هذا الإلغاء زاد من حدة التوتر، مما أدى إلى حصول لاعب ميلان الشاب دافيد بارتيساغي على بطاقة صفراء في الدقيقة 38 بعد تدخل خشن، لينتهي الشوط الأول بصراع تكتيكي عالي المستوى ونتيجة بيضاء لا تعكس حجم الفرص والجهد المبذول.
شطرنج المدربين في الشوط الثاني
مع بداية الشوط الثاني، أجرى آليغري تبديلاً اضطرارياً وتكتيكياً بخروج بارتيساغي ودخول بيرفيس استوبينان لتنشيط الجبهة اليسرى. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يظهر على اللاعبين، مما دفع المدربين لاستخدام أوراقهم البديلة. في الدقيقة 62، غادر كريستيان بوليسيتش أرض الملعب ليحل مكانه القناص نيكلاس فيلكروج في محاولة من ميلان لخطف هدف الفوز من كرة عرضية.
يوفنتوس من جانبه لم يقف متفرجاً، ففي الدقيقة 71 أجرى سباليتي تبديلاً مزدوجاً بدخول إيميل هولم وتيون كوبمينيرس بدلاً من كامبياسو وتورام. كانت الرغبة واضحة في تجديد دماء خط الوسط، خاصة مع تزايد عدد البطاقات الصفراء التي نالها جيريمي بوجا من يوفنتوس واستوبينان من ميلان في غضون دقائق قليلة، مما جعل المباراة تسير على صفيح ساخن.
الدقائق الأخيرة.. صمود الدفاع وتألق الحراس
في العشر دقائق الأخيرة، رمى كل مدرب بكل ثقله. غادر الأسطورة لوكا مودريتش الملعب وسط تحية الجماهير ليحل مكانه أردون ياساري، كما دخل كريستوفر نكونكو بدلاً من النجم رفائيل لياو الذي لم يجد المساحات الكافية للتعبير عن مهاراته. في المقابل، دفع يوفنتوس بالموهبة كينان يلدز وادون هيجروفا، ثم في الدقيقة 87 دفع بالهداف دوسان فلاهوفيتش بدلاً من جوناتان دافيد في محاولة أخيرة لكسر التعادل.
رغم وصول عدد تسديدات يوفنتوس إلى 10 تسديدات منها 5 بين القائمين والعارضة، إلا أن دفاع ميلان وحارسه كانوا بالمرصاد. ميلان من جانبه اكتفى بتسديدة واحدة فقط على المرمى من أصل 8 محاولات، وهو ما يعكس الصعوبة الكبيرة التي واجهها الفريقان في اختراق الحصون الدفاعية المنظمة.
خاتمة: تعادل بطعم الخسارة للجميع
عندما أطلق سيمون سوزا صافرته النهائية بعد 7 دقائق من الوقت بدل الضائع، سقط العديد من اللاعبين على الأرض من شدة الإعياء. هذا التعادل السلبي أبقى ميلان في مركزه الثالث برصيد 67 نقطة، بينما استقر يوفنتوس خلفه مباشرة في المركز الرابع برصيد 64 نقطة.
لقد كانت مباراة تجسد فلسفة الكرة الإيطالية؛ انضباط تكتيكي صارم، معارك بدنية في كل شبر من الملعب، وحذر يطغى على المجازفة. ورغم غياب الأهداف، إلا أن عشاق "الكالتشيو" استمتعوا بوجبة كروية دسمة أثبتت أن الصراع على المقاعد الأوروبية سيظل مشتعلاً حتى الرمق الأخير من الموسم.


