زلزال في الأولمبيكو: ذئاب روما تلتهم فيورنتينا برباعية تاريخية
تحت أضواء ملعب الأولمبيكو الكاشفة، وفي ليلة من ليالي العاصمة الإيطالية الساحرة، عزفت كتيبة "الذئاب" سيمفونية كروية لم تشهدها مدرجات روما منذ زمن بعيد. لم تكن مجرد مباراة في إطار منافسات الدوري الإيطالي، بل كانت استعراضاً للقوة، وبياناً شديد اللهجة أرسله المدرب المحنك جيان بييرو جاسبيريني إلى كل منافسيه. برباعية نظيفة، سحق روما ضيفه فيورنتينا، في ليلة تجلت فيها الروح القتالية والبراعة التكتيكية، ليخرج الضيوف بمرارة الهزيمة تحت قيادة مدربهم باولو فانولي، الذي وقف عاجزاً أمام إعصار العاصمة.
بداية عاصفة وإعصار لا يهدأ
منذ أن أطلق الحكم لوكا زوفريلي صافرة البداية، بدا واضحاً أن روما لم يأتِ للنزهة. كانت الأجواء في مدرجات الأولمبيكو مشتعلة، وأهازيج الجماهير تزلزل الأرض تحت أقدام لاعبي فيورنتينا. لم يحتج أصحاب الأرض لأكثر من 13 دقيقة ليعلنوا عن نواياهم؛ فمن تمريرة حريرية أرسلها الشاب الموهوب نيكولو بيسيلي، ارتقى المدافع الصلب جيانلوكا مانسيني فوق الجميع، ليسكن الكرة الشباك برأسية متقنة فجرت بركان الفرح في المدرجات.
ولم يكد لاعبو "الفيولا" يستفيقون من صدمة الهدف الأول، حتى عاد الإعصار الروماني ليضرب مجدداً. في الدقيقة 17، ومن عمل جماعي رائع، قدم ماريو هيرموسو تمريرة حاسمة وضعت ويسلي فرانكا في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير رصاصة الرحمة الثانية في قلب شباك فيورنتينا. كانت الدقائق العشرين الأولى كافية لرسم ملامح المباراة؛ روما يسيطر، يضغط، ويسجل، بينما تاه لاعبو فيورنتينا في غياهب الدفاع المرتبك، مما دفع مارين بونجراسيتش لارتكاب خطأ نال على إثره بطاقة صفراء في الدقيقة 25 في محاولة يائسة لإيقاف المد الهجومي.
هيرموسو.. من صانع إلى هداف
استمر العرض الفني لروما، وكان كواديو كوني هو ضابط الإيقاع في منتصف الميدان. وفي الدقيقة 34، قرر ماريو هيرموسو أن يضيف اسمه إلى لوحة الهدافين بعد أن كان صانعاً للهدف الثاني. استلم هيرموسو كرة متقنة من كوني، ولم يتوانَ في إيداعها المرمى، معلناً عن الهدف الثالث وسط ذهول تام من دكة بدلاء فيورنتينا. انتهى الشوط الأول بنتيجة ثقيلة قوامها ثلاثة أهداف دون رد، في شوط كان عنوانه الأبرز هو النجاعة الهجومية المطلقة لروما والانهيار الدفاعي التام للضيوف.
مع بداية الشوط الثاني، حاول باولو فانولي تدارك الموقف بإجراء ثلاثة تبديلات دفعة واحدة، فأخرج جاك هاريسون، مارين بونجراسيتش، وألبيرت جودموندسون، ليدفع بكل من ريكاردو براشي، بيترو كوموزو، وفابيانو باريزي. كان الهدف هو ضخ دماء جديدة ومحاولة تقليص الفارق، لكن روما كان قد أحكم قبضته على مجريات اللعب تماماً.
رصاصة الرحمة واستعراض القوة
رغم محاولات فيورنتينا الخجولة، إلا أن روما ظل هو الطرف الأكثر خطورة. وفي الدقيقة 58، أبى الشاب نيكولو بيسيلي إلا أن يتوج مجهوداته الجبارة بهدف رابع، بعد أن تلقى تمريرة ذكية من دونيل مالين، ليضع الكرة بهدوء الكبار في المرمى، معلناً عن نهاية المباراة إكلينيكياً. في تلك اللحظة، تحول الملعب إلى ساحة للاحتفال، وبدأ جاسبيريني في إراحة نجومه، فدفع بـ ستيفان الشعراوي بدلاً من كوني في الدقيقة 64.
شهدت الدقائق المتبقية محاولات من فيورنتينا لحفظ ماء الوجه، لكن الدفاع الروماني كان بالمرصاد. وزاد التوتر في صفوف الضيوف، حيث تلقى فابيانو باريزي بطاقة صفراء في الدقيقة 66. وفي الدقيقة 72، قرر جاسبيريني إمتاع الجماهير أكثر، فدفع بالنجم الأرجنتيني باولو ديبالا بدلاً من ماتياس سوليه، وسط تصفيق حار هز أركان الأولمبيكو. كما دخل المدافع الشاب دانييلي غيلاردي بدلاً من صاحب الهدف الأول مانسيني لتأمين الخطوط الخلفية.
قراءة تكتيكية ونظرة على المستقبل
أثبت جيان بييرو جاسبيريني في هذه المباراة أنه يمتلك منظومة كروية متكاملة. روما لم يعتمد على الفرديات، بل كان اللعب الجماعي هو المفتاح؛ فالأهداف الأربعة جاءت بصناعة أربعة لاعبين مختلفين (بيسيلي، هيرموسو، كوني، ومالين)، مما يعكس التنوع الهجومي الكبير. في المقابل، فشل فانولي في قراءة المباراة، ولم تنجح تبديلاته في تغيير الواقع المرير الذي فرضه روما.
الإحصائيات تشير إلى تفوق كاسح لروما في الاستحواذ والفرص المحققة، حيث وصل الفريق إلى فوزه العشرين هذا الموسم، ليرفع رصيده إلى 64 نقطة في المركز الخامس، معززاً آماله في حجز مقعد أوروبي يليق باسم النادي. أما فيورنتينا، فقد تجمد رصيده عند 37 نقطة في المركز الخامس عشر، ليبقى في دائرة المناطق الدافئة بعيداً عن طموحات جماهيره.
ختاماً، لم تكن هذه الرباعية مجرد ثلاث نقاط تضاف إلى رصيد روما، بل كانت رسالة حب من اللاعبين لجماهيرهم الوفية، وتأكيداً على أن "ذئاب العاصمة" قادمون بقوة لاستعادة هيبتهم في القارة العجوز. إنها ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق الجيالوروسي، ليلة أثبت فيها روما أن الأولمبيكو سيبقى دائماً حصناً منيعاً لا يقهر.


