عناد فيرونا يوقف طموحات "السيدة العجوز" في ليلة تورينو الصاخبة
تحت أضواء ستاد اليانز المتلألئة، وفي ليلة كان من المفترض أن تكون احتفالية لجماهير يوفنتوس، تحولت أرضية الميدان إلى مسرح لدراما كروية غير متوقعة. دخل "البيانكونيري" اللقاء وهو يحتل المركز الرابع، طامحاً في تعزيز موقعه بين الكبار، بينما جاء هيلاس فيرونا، القابع في المركز التاسع عشر، محملاً بآلام الهزائم المتتالية ولكن بروح لا تعرف الاستسلام. انتهت الملحمة بتعادل إيجابي 1-1، في مباراة كانت تجسيداً حياً لمقولة إن كرة القدم لا تعترف بالفوارق الطبقية في جدول الترتيب، بل بما يُقدم على العشب الأخضر طوال تسعين دقيقة.
أجواء ما قبل الصافرة: صراع القمة والقاع
كانت الأجواء في تورينو مشحونة بالترقب؛ ففريق المدرب لوسيانو سباليتي دخل المباراة وهو المرشح الأوفر حظاً، مدعوماً بسلسلة من النتائج الإيجابية وسيطرة تاريخية على ملعبه. في المقابل، كان باولو ساماركو، مدرب هيلاس فيرونا، يدرك أن الخروج بنقطة من قلب معقل يوفنتوس يعد بمثابة انتصار. الجماهير التي ملأت المدرجات كانت تتوقع مهرجاناً من الأهداف، خاصة وأن الإحصائيات قبل المباراة كانت تميل كفتها بوضوح لأصحاب الأرض، لكن الحكم جيوفاني ايرولدي كان يستعد لإطلاق صافرة البداية لمباراة ستخالف كل التوقعات.
الشوط الأول: الصدمة التي هزت أركان اليانز
بدأت المباراة بضغط مكثف من يوفنتوس، محاولاً فرض إيقاعه مبكراً، إلا أن لاعبي فيرونا أظهروا خشونة شرعية لإيقاف خطورة الخصم، مما كلف روبيرتو جاجلياردينى بطاقة صفراء في الدقيقة الخامسة لضبط الإيقاع الدفاعي. استمر الضغط الأبيض والأسود وسط تراجع كامل للضيوف، ومع مرور الوقت، بدأ التوتر يتسرب للاعبي يوفنتوس، حيث تلقى مانويل لوكاتيلي بطاقة صفراء في الدقيقة 33. وفي اللحظة التي كان الجميع ينتظر فيها هدف التقدم ليوفنتوس، حدث ما لم يكن في الحسبان.
في الدقيقة 34، ومن هجمة مرتدة منظمة، أرسل دوماجوي براداريتش تمريرة حاسمة متقنة ضربت عمق دفاع السيدة العجوز، لتجد الشاب كيرون بوي الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، مفجراً مفاجأة من العيار الثقيل. ساد الصمت في أرجاء الملعب، بينما احتفل لاعبو فيرونا بهدف منحهم الثقة لمقارعة العملاق التوريني. حاول يوفنتوس الرد سريعاً، لكن دفاع فيرونا المستميت، الذي نال لاعبه مارتن فريسي بطاقة صفراء قبل الهدف بدقائق، ظل صامداً حتى نهاية الشوط الأول.
الشوط الثاني: فلاهوفيتش يعيد الأمل في ليلة الحصار
مع بداية الشوط الثاني، أدرك سباليتي أن عليه التدخل لتغيير المسار، فدفع بالدبابة الصربية دوسان فلاهوفيتش بدلاً من كيفرين تورام. لم يطل انتظار الجماهير كثيراً، ففي الدقيقة 62، ومن ضغط متواصل وحصار خانق، نجح دوسان فلاهوفيتش في تسجيل هدف التعادل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويشعل حماس المدرجات من جديد. اشتعلت المباراة أكثر، وتلقى أنطوان بيرنيد من فيرونا بطاقة صفراء وسط محاولات مستميتة للضيوف للحفاظ على النقطة الغالية.
بدأ يوفنتوس حصاراً شاملاً، ووصلت نسبة استحواذه على الكرة إلى رقم إعجازي بلغ 76%، وأمطر مرمى فيرونا بـ 26 تسديدة طوال اللقاء. أجرى سباليتي تبديلات هجومية متتالية، فدخل فابيو ميريتي بدلاً من جوناتان دافيد، ثم جيريمي بوجا بدلاً من أندريا كامبياسو في الدقيقة 75، وصولاً إلى الدفع بـ تيون كوبمينيرس وادون هيجروفا في الدقائق العشر الأخيرة لزيادة الكثافة الهجومية. في المقابل، قام ساماركو بتبديلات دفاعية ذكية، حيث أشرك توبياس سلوتساجر وساندى لوفريتيش لتجديد دماء الفريق المنهك تحت وطأة الهجوم المتواصل.
التحليل التكتيكي: سيادة مطلقة وعقم في اللمسة الأخيرة
رغم الفوارق الفنية الشاسعة، إلا أن المباراة كانت درساً في الانضباط الدفاعي من جانب هيلاس فيرونا. يوفنتوس سيطر على كل شبر في الملعب، ومرر لاعبوه 629 تمريرة بدقة وصلت إلى 86%، وحصلوا على 14 ركلة ركنية مقابل ركنية واحدة فقط للضيوف. إلا أن هذه السيطرة افتقدت للنجاعة أمام المرمى، حيث لم يختبر لاعبو يوفنتوس حارس فيرونا سوى بـ 5 تسديدات فقط بين القائمين والعارضة من أصل 26 محاولة.
التبديلات التي أجراها سباليتي نجحت في تنشيط الهجوم، خاصة دخول فلاهوفيتش الذي سجل الهدف، لكن التكتل الدفاعي لفيرونا، الذي ارتكب لاعبوه 17 خطأً تكتيكياً لتعطيل اللعب، كان كفيلاً بإفساد كل المخططات التورينية. البطاقات الصفراء الثلاث التي نالها لاعبو فيرونا كانت ضريبة مستحقة للروح القتالية التي ظهروا بها، والتي منعت يوفنتوس من استغلال الكرات العرضية الـ 37 التي أرسلها لاعبوه داخل منطقة الجزاء.
الخاتمة: نقطة بطعم الشهد وأخرى بطعم العلقم
عندما أطلق الحكم جيوفاني ايرولدي صافرة النهاية بعد 96 دقيقة من الإثارة، سقط لاعبو فيرونا على الأرض من التعب، مدركين أنهم حققوا معجزة كروية بخطف نقطة من قلب تورينو. هذه النتيجة رفعت رصيد يوفنتوس إلى 66 نقطة، لكنها كانت بمثابة خسارة في سباق المنافسة على مراكز المقدمة، بينما منحت النقطة الـ 21 فريق هيلاس فيرونا بصيصاً من الأمل في صراع البقاء المرير في الدوري الإيطالي. غادرت جماهير يوفنتوس الملعب وهي تشعر بالحسرة على ضياع فوز كان في المتناول، بينما ظل صوت قلة من مشجعي فيرونا يتردد في أرجاء اليانز، محتفلين بصمود بطولي سيبقى طويلاً في ذاكرة هذا الموسم.


