ليلة حمراء في قلب القاهرة: الأهلي يروض الزمالك بثلاثية قاسية ويحكم قبضته على الديربي
تحت أضواء ستاد القاهرة الدولي الكاشفة، وفي ليلة لم تهدأ فيها حناجر الجماهير، عزف النادي الأهلي سيمفونية كروية أطاحت بطموحات غريمه التقليدي الزمالك في قمة "دوري نايل المصري". لم تكن مجرد ثلاث نقاط في صراع الجدول، بل كانت استعراضاً للقوة والفاعلية الهجومية، حيث أنهى "المارد الأحمر" اللقاء لصالحه بنتيجة 3-0، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة، لما شهدته من تقلبات درامية، ركلات جزاء ضائعة، وتألق لافت لنجوم خطفوا الأنظار تحت قيادة الحكم الألماني ماتياس يولينبيك.
أجواء ما قبل الصدام: بركان في ستاد القاهرة
منذ الساعات الأولى للمساء، كان الهواء في محيط ستاد القاهرة مشبعاً بالتوتر والإثارة. الجماهير التي ملأت المدرجات رسمت لوحات فنية تعكس عراقة هذا الديربي. دخل الزمالك اللقاء بقيادة مدربه معتمد جمال باحثاً عن الفوز لتعزيز موقفه، بينما كان جيس توروب، مدرب الأهلي، يدرك أن الفوز في هذه المباراة هو المفتاح الحقيقي لفرض الهيمنة على "مجموعة البطولة". التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، خاصة مع تقارب النقاط والمراكز، لكن الميدان كان له رأي آخر تماماً، حيث طغت الروح القتالية للأهلي على استحواذ الزمالك السلبي.
الشوط الأول: إعصار أحمر يضرب مبكراً
بدأت المباراة بجس نبض لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما كشر الأهلي عن أنيابه. وفي الدقيقة 18، انطلق طاهر محمد طاهر بكرة عرضية متقنة، وجدت القناص أشرف بن شرقي الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل المدرجات الحمراء. لم يكد الزمالك يستفيق من صدمة الهدف، حتى بدأت البطاقات الملونة في الظهور، حيث نال أحمد فتوح بطاقة صفراء في الدقيقة 20 نتيجة تدخل قوي، مما عكس حالة الارتباك في الخطوط الخلفية "للفارس الأبيض".
استمر الضغط الأهلاوي وسط محاولات زملكاوية خجولة للعودة، وفي الدقيقة 32، تبادل بن شرقي الأدوار، ليقدم تمريرة حاسمة لزميله حسين الشحات الذي سدد كرة قوية سكنت المرمى، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. الشحات، وفي غمرة احتفاله الصاخب، تلقى بطاقة صفراء في الدقيقة 33، لكن ذلك لم يفسد فرحة الأهلاوية الذين شعروا أن المباراة باتت في المتناول قبل نهاية الفصل الأول من الرواية.
الشوط الثاني: دراما ركلات الجزاء ورصاصة الرحمة
مع بداية الشوط الثاني، حاول معتمد جمال تدارك الموقف بإجراء تبديل هجومي، حيث دفع بـ شيكو بانزا بدلاً من ناصر منسي. وبالفعل، بدأ الزمالك يضغط بقوة، وفي الدقيقة 53 تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتمنح الزمالك فرصة ذهبية للعودة. انبرى حسام عبدالمجيد لتنفيذ ركلة الجزاء في الدقيقة 55، إلا أن أعصابه لم تسعفه، لتضيع الكرة وتضيع معها آمال الجماهير البيضاء في تقليص الفارق. زاد التوتر في صفوف الزمالك، مما أدى لحصول محمود الونش ومحمود بن تايج على بطاقات صفراء متتالية في الدقيقة 57.
الإثارة لم تتوقف عند هذا الحد، ففي الدقيقة 64 عاد الـ VAR للظهور مجدداً، وهذه المرة لصالح الأهلي، لكن تريزيجيه أهدر ركلة الجزاء في الدقيقة 66، ليبقي النتيجة على حالها. وبينما كان الزمالك يرمي بكل ثقله، ومن خلال تمريرة سحرية من إمام عاشور في الدقيقة 74، نجح أشرف بن شرقي في تسجيل هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه، مطلقاً رصاصة الرحمة على آمال المنافس.
التحليل التكتيكي: فاعلية توروب أمام استحواذ جمال
رغم أن لغة الأرقام تشير إلى تفوق الزمالك في نسبة الاستحواذ التي وصلت إلى 57% مقابل 43% للأهلي، إلا أن الواقع فوق العشب الأخضر كان مختلفاً تماماً. الأهلي كان أكثر فاعلية وخطورة، حيث سدد 14 كرة منها 7 تسديدات على المرمى، بينما اكتفى الزمالك بـ 12 تسديدة منها اثنتان فقط بين القائمين والعارضة. تبديلات جيس توروب كانت حاسمة، خاصة دخول أليو ديانج في الدقيقة 60 الذي منح الوسط صلابة دفاعية، ودخول زيزو وأحمد عيد في الدقائق الأخيرة للحفاظ على الإيقاع.
في المقابل، لم تنجح تبديلات معتمد جمال، بما في ذلك دخول سيف الدين جزيري ومحمد السيد أحمد في الدقيقة 80، في اختراق الدفاع الأهلاوي المنظم الذي شتت 31 كرة من مناطق الخطر. المباراة اتسمت أيضاً بالندية البدنية، حيث ارتكب لاعبو الأهلي 8 أخطاء مقابل خطأ واحد فقط للزمالك، مما يوضح الرغبة العارمة للاعبي الأحمر في استعادة الكرة ومنع الخصم من بناء الهجمات.
الخاتمة: زعامة أهلاوية مستحقة
عندما أطلق الحكم ماتياس يولينبيك صافرة النهاية بعد 5 دقائق من الوقت بدل الضائع، والتي شهدت حصول شيكو بانزا على بطاقة صفراء أخيرة، كانت الفرحة العارمة تكسو وجوه لاعبي الأهلي وجماهيرهم. بهذا الفوز العريض، رفع الأهلي رصيده إلى 7 نقاط ليقفز إلى المركز الثالث في جدول الترتيب، متفوقاً بفارق الأهداف على الزمالك الذي تجمد رصيده عند ذات النقاط في المركز الرابع. هذه المباراة لم تكن مجرد انتصار عابر، بل هي رسالة طمأنة لجماهير الأهلي بأن فريقهم يسير بخطى ثابتة نحو استعادة اللقب، بينما تترك الزمالك أمام تساؤلات عديدة حول قدرة الفريق على الصمود في المواعيد الكبرى.


