ريمونتادا "الراقي" بعشرة لاعبين: الأهلي يروض نمور جوهور ويحجز مقعداً في المربع الذهبي الآسيوي
في ليلة امتزجت فيها حرارة جدة بصخب المدرجات، احتضن ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية ملحمة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق القلعة الخضراء. لم تكن مجرد مباراة في ربع نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة، بل كانت اختباراً حقيقياً للإرادة والكبرياء. وسط أجواء مشحونة بالتوتر والأمل، نجح النادي الأهلي في قلب الطاولة على ضيفه الثقيل، نادي جوهور دارول تاكزيم الماليزي، ليفوز بنتيجة 2-1 في مواجهة دراماتيكية شهدت تحولات لم يتوقعها أشد المتفائلين، خاصة بعد أن لعب "الراقي" منقوصاً لأكثر من ساعة من الزمن.
بداية صادمة وكابوس "مجرشي"
دخل المدرب الألماني ماتياس يايسله اللقاء وعينه على حسم التأهل مبكراً، معتمداً على عاملي الأرض والجمهور. انطلقت المباراة بإيقاع سريع، لكن الصدمة حلت في الدقيقة 19، عندما ارتكب المدافع علي مجرشي خطأً فادحاً بإسكان الكرة في شباك حارسه إدوارد ميندي عن طريق الخطأ، ليمنح الضيوف هدفاً مجانياً أشعل فتيل القلق في المدرجات. لم تتوقف معاناة مجرشي عند هذا الحد، ففي الدقيقة 37، وبينما كان يحاول تدارك موقف دفاعي، تدخل بخشونة استوجبت من الحكم الأردني أدهم مخادمة إشهار البطاقة الحمراء المباشرة في وجهه، ليجد الأهلي نفسه متأخراً بهدف ومنقوصاً من لاعب في وقت مبكر جداً.
بدأت ملامح القلق تظهر على وجه يايسله، بينما استشعر مدرب جوهور، اكسيسكو مونيوز، فرصة ذهبية لتعزيز التقدم. زاد التوتر في الملعب، وتعددت التدخلات القوية، حيث نال ماركوس جويلهيرم بطاقة صفراء في الدقيقة 29، وتبعه زميله جايرو دا سيلفا في الدقيقة 41، مما دفع مونيوز لإجراء تبديل اضطراري تكتيكي بخروج جايرو ودخول آجير اكيتسي لتنشيط الوسط واستغلال النقص العددي للأهلي.
روح "الرئيس" تعيد التوازن قبل الاستراحة
بينما كان الجميع ينتظر صافرة نهاية الشوط الأول بتقدم الضيوف، انتفض "الراقي" بروح قتالية عالية. وفي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (45+3)، انطلق البرازيلي جالينو بكرة سريعة وعرضها بإتقان نحو منطقة الجزاء، ليجد "الرئيس" فرانك كيسيه الذي ارتقى فوق الجميع وأودعها الشباك، مفجراً بركان الغضب الفرح في مدرجات جدة. هذا الهدف لم يكن مجرد تعديل للنتيجة، بل كان بمثابة قبلة الحياة التي أعادت الثقة للاعبي الأهلي قبل الدخول لغرف الملابس، رغم حصول المهاجم إيفان توني على بطاقة صفراء في اللحظات الأخيرة من الشوط الأول نتيجة الاحتكاكات البدنية القوية.
جالينو.. رقصة السامبا تحسم الموقعة
مع انطلاق الشوط الثاني، لم يركن الأهلي للدفاع رغم النقص العددي، بل واصل الضغط بذكاء تكتيكي لافت. وفي الدقيقة 54، ومن جملة فنية رائعة، مرر زكريا هوساوي كرة بينية متقنة وضعت جالينو في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة في الشباك معلناً الهدف الثاني للأهلي. تحول الملعب إلى كتلة من اللهب، وأثبت لاعبو الأهلي أن الشخصية القوية قادرة على قهر الظروف الصعبة.
أجرى يايسله تبديلات ذكية لتأمين التقدم، فدفع بـ فالنتين أتانغانا إيدوا في الدقيقة 63 بدلاً من ماتيوس جونسالفيس لتعزيز المحور الدفاعي، ثم أشرك فراس البريكان بدلاً من القائد رياض محرز في الدقيقة 72 لضمان سرعة التحولات الهجومية. في المقابل، حاول مونيوز العودة في النتيجة بإشراك ياجو سيزار والهداف برجسون، لكن صخرة الدفاع الأهلاوية وحضور الحارس إدوارد ميندي، الذي نال بطاقة صفراء في الدقيقة 85 بسبب تأخير اللعب، حالا دون وصول النمور الماليزية للمرمى.
تحليل تكتيكي وصمود بطولي
رغم استحواذ جوهور على الكرة بنسبة ضئيلة بلغت 51% مقابل 49% للأهلي، إلا أن الفاعلية كانت لصالح أصحاب الأرض. سدد لاعبو الأهلي 10 كرات منها 4 على المرمى، بينما اكتفى الضيوف بـ 8 تسديدات منها اثنتان فقط بين الخشبات الثلاث. تميز الأهلي بدقة تمرير وصلت إلى 81.38%، وهو رقم مذهل لفريق يلعب بعشرة لاعبين، مما يعكس الانضباط التكتيكي الكبير الذي فرضه يايسله.
شهدت الدقائق الأخيرة استبسالاً دفاعياً كبيراً، حيث قام لاعبو الأهلي بـ 12 عملية تشتيت للكرة بنجاح، وتفوقوا في الصراعات الهوائية بـ 7 كرات مشتركة. ومع إشهار الحكم للبطاقات الصفراء لكل من أتانغانا من الأهلي، وكوربا نيني وآجير اكيتسي من جوهور، توترت الأعصاب في الدقائق الأخيرة، لكن صافرة أدهم مخادمة أعلنت في النهاية عن انتصار أهلاوي مستحق وتأهل تاريخي لنصف النهائي.
الخاتمة: الأهلي يكتب التاريخ في "الجوهرة"
بهذا الفوز الملحمي، يثبت الأهلي أنه رقم صعب في القارة الآسيوية، متجاوزاً عثرات البداية والنقص العددي ليحقق انتصاراً يزن ذهباً. هذا التأهل إلى نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة ليس مجرد خطوة نحو اللقب، بل هو رسالة شديدة اللهجة لكل المنافسين بأن "الراقي" يمتلك النفس الطويل والروح القتالية اللازمة لاعتلاء منصات التتويج. ليلة جدة لم تكن عادية، بل كانت تجسيداً لمعنى الوفاء بين المدرج واللاعبين، بانتظار الفصل القادم من الحلم الآسيوي.


