ملحمة جدة الكروية: فيسيل كوبه يبتسم في ليلة حبست أنفاس القارة الآسيوية
تحت أضواء ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة، وبإدارة تحكيمية من الإماراتي عمر محمد العلي، شهد عشاق كرة القدم الآسيوية واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ دوري أبطال آسيا للنخبة. لم تكن مجرد مباراة في ربع النهائي، بل كانت رواية درامية كُتبت فصولها بالعرق والدموع، وانتهت بفوز فيسيل كوبه الياباني على السد القطري بركلات الترجيح بعد تعادل مثير بنتيجة 3-3، في ليلة ستبقى طويلاً في ذاكرة المتابعين.
بداية عاصفة وإيقاع لا يهدأ
انطلقت الصافرة لتبدأ معها معركة تكتيكية بين دهاء الإيطالي روبيرتو مانشيني وطموح الألماني مايكل سكيبه. لم يمهل السد ضيفه الياباني الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ ففي الدقيقة السادسة، ومن لمحة فنية ساحرة، أرسل النجم أكرم عفيف تمريرة حاسمة وضعت المهاجم رافا موخيكا في مواجهة الشباك، ليعلن الأخير عن تقدم "الزعيم" بهدف مبكر أشعل المدرجات.
لكن الرد الياباني لم يتأخر كثيراً، حيث أظهر لاعبو فيسيل كوبه رباطة جأش يحسدون عليها. ومع حلول الدقيقة 24، انطلق جوتوكو ساكاي في رواق الملعب مرسلاً عرضية متقنة ارتقى لها القناص يويا اوساكو، مودعاً إياها الشباك ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. انتهى الشوط الأول بصراع بدني كبير، حيث سيطر فيسيل كوبه على الكرة بنسبة وصلت إلى 60%، بينما اعتمد السد على التحولات السريعة والكرات الطولية التي شكلت خطورة دائمة.
إعصار قطري وعودة يابانية مذهلة
مع بداية الشوط الثاني، أجرى مانشيني تبديلاً استراتيجياً بخروج بيدرو ميجيل ودخول طارق سلمان لتدعيم الدفاع، وبدا أن السد عازم على حسم الأمور. وفي الدقيقة 61، ظهر البرازيلي المخضرم روبرتو فيرمينو بدور صانع الألعاب، مهدياً كرة ذهبية لزميله رافا موخيكا الذي لم يتوانَ عن تسجيل هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم للسد. ولم تكد تمر أربع دقائق حتى رد موخيكا الهدية لزميله فيرمينو، ليوقع البرازيلي على الهدف الثالث في الدقيقة 65، ظن الجميع حينها أن السد قد وضع قدماً في نصف النهائي.
لكن كرة القدم لا تعترف بالاستسلام، خاصة أمام الفرق اليابانية. بدأ سكيبه في تحريك أحجاره، فأدخل ماكوتو ميتسوتا وجان باتريك، ليتغير شكل الفريق تماماً. وفي الدقيقة 74، قلص يوسوكى ايدجوتشي الفارق بهدف مباغت أعاد الروح للفريق الياباني. تراجع السد للدفاع محاولاً الحفاظ على التقدم، في حين شن كوبه هجمات متتالية، مستفيداً من دقة تمريراته التي بلغت 86% طوال اللقاء.
دراما الدقائق الأخيرة والسيناريو المجنون
وصلت المباراة إلى ذروة الإثارة في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع. وبينما كان الحكم يستعد لإطلاق صافرة النهاية، وفي الدقيقة الثالثة بعد التسعين (90+3)، انسل البديل ريكوتو هيروسي ليرسل كرة عرضية وجدت رأس يوشينوري موتو، الذي أسكنها الشباك وسط ذهول لاعبي السد وجهازهم الفني. هذا الهدف القاتل فرض التمديد لأشواط إضافية، بعد أن كانت النتيجة تشير لتقدم السد حتى الرمق الأخير.
خلال الأوقات الإضافية، ظهر الإرهاق على اللاعبين، وأجرى المدربان عدة تبديلات لإدخال دماء جديدة، حيث شارك أحمد سهيل وجافايرو ديلروسون من جانب السد، بينما دفع كوبه باللاعب كاتينو. ورغم محاولات السد المتكررة التي وصلت إلى 25 تسديدة إجمالية طوال المباراة، إلا أن الدفاع الياباني وحارس مرماه استبسلوا في حماية عرينهم، لتنتهي الأشواط الإضافية بالتعادل الإيجابي 3-3.
ركلات الحظ تبتسم للساموراي
في ركلات الترجيح، حبست الجماهير أنفاسها. كانت المواجهة وجهاً لوجه بين حارسي المرمى والأعصاب الهادئة. سدد لاعبو السد بكل قوة، لكن الضغط النفسي كان هائلاً. انتهت سلسلة الركلات بفوز فيسيل كوبه بنتيجة 5-4، بعد أن أهدر السد ركلة حاسمة، ليعلن الحكم عمر محمد العلي نهاية الملحمة بتأهل الفريق الياباني إلى الدور القادم.
تحليل فني: كيف أفلتت المباراة من يد مانشيني؟
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن السد كان الأكثر فاعلية هجومية بثماني تسديدات على المرمى، بينما كان كوبه الأكثر استحواذاً وسيطرة على وسط الملعب بـ 646 تمريرة مقابل 449 للسد. التبديلات التي أجراها سكيبه في الدقائق 67 و81 كانت نقطة التحول الحقيقية، حيث منحت الفريق الياباني العمق الهجومي والقدرة على الضغط العالي في مناطق السد. في المقابل، ربما كان تراجع السد المبكر للدفاع بعد الهدف الثالث هو السبب في استقبال هدفين متتاليين.
شهد اللقاء أيضاً انضباطاً كبيراً، حيث لم تظهر سوى بطاقة صفراء وحيدة للاعبي فيسيل كوبه، رغم القوة البدنية والالتحامات، مما يعكس التركيز العالي للاعبين على الجوانب الفنية بعيداً عن الاعتراضات.
الخاتمة: وداع مرير وتأهل مستحق
خرج السد القطري من البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي، لكن مرارة الخسارة في الدقائق الأخيرة ستبقى تلاحق رفاق أكرم عفيف. أما فيسيل كوبه، فقد أثبت أن الشخصية القوية والإيمان بالقدرة على العودة هما مفتاح النجاح في البطولات الكبرى. بهذا الفوز، يواصل الفريق الياباني مشواره في دوري أبطال آسيا للنخبة، مؤكداً أنه رقم صعب في القارة الصفراء، بينما يعود السد لتركيز جهوده على المنافسات المحلية بعد ليلة درامية لن تُنسى في عروس البحر الأحمر.


