ليلة "الجوهرة" المشتعلة: ريمونتادا أهلاوية تكسر كبرياء فيسيل كوبه وتعبر بـ "الراقي" إلى نهائي الحلم
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي جدة الساحرة، وتحت أضواء ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية، عاشت جماهير كرة القدم الآسيوية فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة، بل كانت ملحمة كروية جمعت بين الانضباط التكتيكي الياباني متمثلاً في "فيسيل كوبه"، وبين العزيمة والإصرار السعودي الذي جسده "الأهلي". وبصافرة الحكم الأوزبكي الجيز تاتاشيف، انطلقت شرارة المعركة التي انتهت بقلب الطاولة وتحويل التأخر إلى انتصار ثمين للأهلي بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق "الراقي".
هدوء ما قبل العاصفة واللدغة اليابانية
دخل الفريقان أرضية الميدان والأجواء مشحونة بالترقب؛ المدرب الألماني ماتياس يايسله كان يدرك أن مواجهة فريق يقوده الخبير مايكل سكيبه تتطلب حذراً شديداً. بدأت المباراة بجس نبض متبادل، حيث حاول الأهلي فرض أسلوبه معتمداً على مؤازرة جماهيرية مرعبة هزت أركان "الجوهرة المشعة". إلا أن التنظيم الدفاعي لفريق فيسيل كوبه كان سداً منيعاً أمام محاولات رياض محرز وإيفان توني في الدقائق الأولى.
وفي الدقيقة 31، وبينما كان الأهلي يبحث عن ثغرة، فاجأ الضيوف الجميع بهجمة منظمة بدأت بلمسة ذكية من النجم يويا اوساكو، الذي أرسل تمريرة حاسمة وضعت زميله يوشينوري موتو في مواجهة الشباك، ليباغت الأخير الحارس الأهلاوي بهدف أول أشعل فتيل القلق في المدرجات الخضراء. لم يتوقف الضغط الياباني عند الهدف، بل استمر السجال البدني الذي أسفر عن بطاقة صفراء لـ يويا اوساكو في الدقيقة 38، ثم تبعها إنذار لزميله يوتا جوكي في الأنفاس الأخيرة من الشوط الأول، لينتهي النصف الأول من المباراة بتقدم ياباني وضع "الراقي" تحت ضغط رهيب.
الشوط الثاني: إعصار "الراقي" يكتسح الميدان
مع انطلاقة الشوط الثاني، أجرى سكيبه تبديلاً بدخول ميتسكي هيداكا بدلاً من يوتا جوكي لتعزيز وسط ملعبه، لكن يايسله كان قد أعد العدة لرد فعل صاعق. بدأت ملامح التغيير تظهر مع زيادة حدة الهجمات الأهلاوية، وفي الدقيقة 62، انفجرت الفرحة في مدرجات جدة؛ حيث أرسل الموهوب إنزو ميلو كرة متقنة للبرازيلي جالينو، الذي لم يتوانَ عن إيداعها المرمى معلناً هدف التعادل وإعادة المباراة إلى نقطة الصفر.
هذا الهدف منح لاعبي الأهلي جرعة معنوية هائلة، بينما بدا الارتباك واضحاً على وجوه لاعبي فيسيل كوبه. وفي الدقيقة 69، قرر يايسله ضخ دماء جديدة بإشراك القناص فراس البريكان بدلاً من المدافع ميريه ديميرال، في إشارة واضحة للرغبة في حسم اللقاء قبل اللجوء للأوقات الإضافية. ولم تمر سوى دقيقة واحدة على هذا التغيير، حتى صنع جالينو الحدث مرة أخرى، لكن هذه المرة بدور الصانع، حيث قدم تمريرة ذهبية للمهاجم الإنجليزي ايفان توني الذي لم يخطئ الطريق نحو المرمى في الدقيقة 70، موقعاً على هدف التقدم الثاني ومحولاً التأخر إلى انتصار في غضون ثماني دقائق فقط.
دراما الـ VAR والتمسك بالانتصار
لم تخلُ المباراة من لحظات حبس الأنفاس؛ ففي الدقيقة 75، ظن الجميع أن النجم الجزائري رياض محرز قد أطلق رصاصة الرحمة بتسجيله الهدف الثالث، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف بداعي وجود خطأ أو تسلل، مما أبقى باب الأمل مفتوحاً لليابانيين. توترت الأعصاب في الدقائق الأخيرة، وتلقى مدافع فيسيل كوبه ثولر بطاقة صفراء، كما نال ريان محمد حامد إنذاراً في الدقيقة 83 نتيجة التلاحم القوي لحماية العرين الأهلاوي.
حاول مايكل سكيبه إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر سلسلة من التبديلات، بإشراك جان باتريك، ريكوتو هيروسي، وكينتو هامساكي، لكن الصلابة الدفاعية للأهلي كانت بالمرصاد لكل المحاولات. وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع، أجرى يايسله تبديلاً تكتيكياً بخروج محرز ودخول محمد عبدالرحمن لتأمين المناطق الدفاعية واستهلاك ما تبقى من ثوانٍ.
الخاتمة: الأهلي يكتب التاريخ نحو النهائي
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، انفجرت "الجوهرة" باحتفالات هيستيرية تليق بحجم الإنجاز. لقد أثبت الأهلي أنه يمتلك الشخصية القوية القادرة على العودة في أصعب الظروف، حيث كانت تمريرات جالينو الحاسمة وأهداف توني هي المفتاح لكسر العقدة اليابانية. بهذا الفوز، يخطو الأهلي خطوة عملاقة نحو منصة التتويج بلقب دوري أبطال آسيا للنخبة، مؤكداً أن طموحاته هذا الموسم لا سقف لها، وأن "الراقي" بات قريباً أكثر من أي وقت مضى من معانقة المجد القاري.


