إعصار بولونيا يضرب معقل "مارادونا": ليلة سقط فيها الجنوب في اللحظات القاتلة
تحت أضواء ستاد دييغو ارماندو مارادونا الكاشفة، وفي ليلة ربيعية من ليالي الدوري الإيطالي الساحرة، حبست مدينة نابولي أنفاسها وهي تراقب ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت قصيدة من الدراما، والدموع، والجنون الكروي. دخل نابولي بقيادة الداهية أنطونيو كونتي اللقاء وهو يطمح لتعزيز وصافته للكالتشيو، بينما جاء بولونيا مع مدربه الطموح فيتشينزو ايطاليانو ليمارس دور "قاهر الكبار". لم يكن أحد في المدرجات يتوقع أن تنتهي هذه السهرة بسيناريو هوليودي، يقلب الطاولة في الأنفاس الأخيرة ويترك عشاق "البارتينوبي" في حالة من الذهول التام بعد خسارة دراماتيكية بنتيجة 2-3.
بداية صاعقة وصمت في عرين الجنوب
أطلق الحكم ماركو بيتشينيني صافرة البداية، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى بدأت ملامح المفاجأة تلوح في الأفق. في الدقيقة العاشرة، وبينما كان نابولي يحاول فرض إيقاعه، شق خوان ميراندا دفاعات أصحاب الأرض بتمريرة حريرية وضعت فيديريكو بيرنارديسكي في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك، معلناً عن الهدف الأول لبولونيا. هذا الهدف المبكر نزل كالصاعقة على لاعبي كونتي، الذين بدوا تائهين أمام التنظيم الدفاعي المحكم والتحولات السريعة للضيوف.
استمر الضغط النفسي على نابولي، وفي الدقيقة 34، ارتكب الدفاع خطأً فادحاً داخل منطقة الجزاء، لم يتردد الحكم في احتساب ركلة جزاء لصالح بولونيا. انبرى لها المتخصص ريكاردو أورسليني، وببرود أعصاب يحسد عليه، أودع الكرة في الشباك معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. خيم الصمت على جنبات ملعب مارادونا، وبدا أن المباراة تفلت من يد نابولي تماماً، خاصة مع توتر الأجواء الذي تجسد في بطاقة صفراء نالها جواو ماريو لوبيز من بولونيا في الدقيقة 38.
انتفاضة القائد وشرارة الأمل
رفض القائد جيوفاني دى لورينزو أن يذهب فريقه إلى غرف الملابس مكسور الجناح. وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع للشوط الأول، استغل كرة حائرة داخل منطقة الجزاء ليسددها بقوة في المرمى، مقلصاً الفارق ومشعلاً حماس الجماهير من جديد. كان هذا الهدف هو "قبلة الحياة" التي احتاجتها كتيبة كونتي لإعادة ترتيب الأوراق قبل الشوط الثاني.
مع بداية الشوط الثاني، دخل نابولي بروح مغايرة تماماً، وكأن كلمات كونتي في الاستراحة كانت وقوداً لمحركاتهم. لم تمر سوى ثلاث دقائق حتى نجح أليسون سانتوس في معادلة الكفة في الدقيقة 48، بعد تمريرة ذكية من المهاجم راسموس هويلند. انفجر الملعب فرحاً، وتحول الإحباط إلى إيمان بقدرة الفريق على العودة الكاملة. في تلك اللحظات، بدا بولونيا مترنحاً، وتلقى فيديريكو بيرنارديسكي بطاقة صفراء نتيجة الضغط العالي الذي مارسه لاعبو نابولي.
صراع تكتيكي ومعركة البدلاء
تحولت المباراة إلى رقعة شطرنج بين كونتي وإيطاليانو. حاول بولونيا امتصاص حماس نابولي، ونال ايفيند هيلاند بطاقة صفراء في الدقيقة 58 لوقف هجمة واعدة. بدأ المدربان في الدفع بالأوراق البديلة؛ فدخل نادر زورتي بدلاً من لوبيز، ثم قام إيطاليانو بتبديل كان له مفعول السحر لاحقاً، حيث أخرج صاحب الهدف الأول بيرنارديسكي ليدفع بالشاب جوناثان روي في الدقيقة 73.
من جانبه، حاول كونتي تنشيط خط وسطه وهجومه، فدفع بـ بيلي جيلمور و إلجيف إلماس بدلاً من لوبوتكا وسانتانا دو جيوفاني في الدقيقة 76. المباراة أصبحت سجالاً، والتوتر بلغ ذروته مع توالي البطاقات الصفراء، حيث نالها جون لوكومى بونيلا من بولونيا، ثم ماتيو بوليتانو من نابولي في الدقيقة 84، وهو الذي غادر الملعب فوراً ليحل مكانه ليوناردو سبينازولا في محاولة أخيرة من كونتي لخطف الفوز.
الطعنة القاتلة في الدقيقة التسعين
بينما كان الجميع ينتظر صافرة النهاية لاقتسام النقاط، وفي الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع (90+1)، حدث ما لم يكن في الحسبان. هجمة مرتدة منظمة لبولونيا وصلت إلى البديل جوناثان روي، الذي لم يجد صعوبة في وضع الكرة في المرمى، مسجلاً هدفاً قاتلاً قضى على آمال نابولي في العودة. كانت لحظة درامية بامتياز، حيث سقط لاعبو نابولي على الأرض من هول الصدمة، بينما احتفل لاعبو بولونيا بجنون أمام مدرجاتهم الصغيرة.
حاول نابولي في الدقائق المتبقية فعل المستحيل، ودفع كونتي بـ باسكوالا مازوخي بدلاً من ميجل جوتيريز، لكن الوقت كان قد نفد. أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوزاً تاريخياً لبولونيا بنتيجة 3-2، في مباراة ستبقى عالقة في أذهان المتابعين لفترة طويلة نظراً لتقلباتها المثيرة.
خاتمة: دروس من قلب "مارادونا"
بهذه النتيجة، تجمد رصيد نابولي عند 70 نقطة في المركز الثاني، وهي خسارة قد تعقد حساباته في الحفاظ على وصافة الترتيب أمام الملاحقين، خاصة وأنها جاءت على ملعبه وبين جماهيره. في المقابل، رفع بولونيا رصيده إلى 52 نقطة مستقراً في المركز الثامن، ليثبت أنه فريق يمتلك الشخصية والقدرة على إسقاط الكبار في عقر دارهم. كانت ليلة انتصرت فيها العزيمة التكتيكية لإيطاليانو على خبرة كونتي، وأثبتت أن الدوري الإيطالي لا يعترف بالأسماء حتى تطلق الصافرة الأخيرة.


