صدام الجبابرة في الرباط: تعادل مثير يترك الحسم معلقاً في نهائي دوري الأبطال
في ليلة قارية حبست أنفاس الملايين، وتحت أضواء ستاد الأمير مولاي عبد الله المتلألئة، احتضنت العاصمة المغربية الرباط فصلاً من فصول الإثارة الكروية التي لا تُنسى. جمع المشهد الختامي لبطولة دوري أبطال إفريقيا بين عراقة وطموح الجيش الملكي المغربي، وبين كبرياء وقوة ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي. انتهت المعركة الكروية بتعادل إيجابي بهدف لكل فريق، في مباراة كانت بمثابة رقعة شطرنج تكتيكية، غلب عليها الحماس الجماهيري والتوتر الذي امتد حتى الثواني الأخيرة من عمر اللقاء الذي أداره الحكم عبد القادر ارتان.
أجواء ملحمية وصراع مبكر على السيادة
قبل إطلاق صافرة البداية، كان الملعب يضج بأهازيج الجماهير العسكرية التي رسمت لوحات فنية في المدرجات، محولةً الملعب إلى مرجل يغلي من الحماس. التوقعات كانت تشير إلى مباراة مغلقة، لكن الواقع على العشب الأخضر كان مغايراً تماماً. لم يكد يمر من الوقت أربع دقائق حتى أظهر الحكم عبد القادر ارتان حزمه، مشهراً البطاقة الصفراء في وجه كل من برايان ليون من جانب الضيوف ومروان لوادنى من أصحاب الأرض، في إشارة واضحة إلى أن الصراع البدني سيكون سيد الموقف.
استمر الضغط المتبادل، ومع حلول الدقيقة العشرين، تلقى قائد الجيش الملكي محمد ربيع حريمات إنذاراً مبكراً وضع عليه ضغطاً إضافياً، لكنه لم يمنعه من مواصلة قيادة وسط ميدانه ببراعة. اعتمد "العساكر" تحت قيادة المدرب أليكساندر سانتوس على الكرات العرضية المكثفة التي وصلت إلى 37 عرضية طوال المباراة، في محاولة لاستغلال التراجع الدفاعي المنظم لكتيبة المدرب ميغيل كاردوسو.
دراما الشوط الأول: ركلة جزاء ورد صاعق
بلغت الإثارة ذروتها في الدقيقة 36 عندما تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء صن داونز. وبعد لحظات من الصمت والترقب في المدرجات، أشار الحكم إلى نقطة الجزاء وسط فرحة عارمة. انبرى للمهمة محمد ربيع حريمات، الذي سدد الكرة بهدوء وثقة في الدقيقة 40، معلناً عن الهدف الأول للجيش الملكي ومفجراً بركان الاحتفالات في الرباط.
لكن صن داونز، الفريق الذي لا يعرف الاستسلام، لم يمهل أصحاب الأرض طويلاً للاحتفال. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر صافرة نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة السابعة من الوقت بدل الضائع، أرسل تاشريك ماثيوز تمريرة حاسمة متقنة وجدت طريقها إلى تيبوهو موكوينا، الذي لم يتوانَ عن وضعها في الشباك، مسجلاً هدف التعادل القاتل الذي خيّم به الصمت المؤقت على مدرجات الأمير مولاي عبد الله.
الشوط الثاني: صراع التكتيك والفرص الضائعة
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبة واضحة في كسر التعادل. أجرى كاردوسو تبديلاً مبكراً بدخول مارسيلو أليندي بدلاً من كوتلوانو ليثلاكو لتنشيط وسط الملعب. توالت البطاقات الصفراء مع اشتعال الصراع، فنال عبدالفتاح حدراف إنذاراً في الدقيقة 51، وتبعه جايدن ادامز من صن داونز في الدقيقة 53. كان الجيش الملكي هو الأكثر استحواذاً بنسبة وصلت إلى 52%، والأكثر وصولاً للمرمى عبر 7 ركنيات، لكن اللمسة الأخيرة كانت تفتقد للدقة أمام دفاع جنوب إفريقي صلد.
في الدقيقة 73، عاد الـ VAR ليخطف الأضواء مرة أخرى، مانحاً الجيش الملكي فرصة ذهبية للتقدم من ركلة جزاء ثانية. تقدم محمد ربيع حريمات مرة أخرى في الدقيقة 77، والآمال معلقة عليه لتكرار سيناريو الهدف الأول، لكن هذه المرة خانته الدقة، لتمر الكرة وتضيع معها أغلى فرص المباراة، تاركةً حسرة كبيرة على وجوه اللاعبين والجماهير.
تبديلات اللحظات الأخيرة وحبس الأنفاس
حاول المدربان ضخ دماء جديدة في الدقائق الأخيرة؛ فدفع سانتوس بـ محسن بريجة بدلاً من أحمد حمودان، بينما قام كاردوسو بسلسلة تغييرات دفاعية وهجومية بدخول ليبو موتيبا وجرانت كيكانا. وفي الدقائق الخمس الأخيرة من الوقت بدل الضائع، أجرى الجيش الملكي تبديلات استراتيجية بدخول جمال الشماخ وجلال الدين الخفيف بدلاً من طو كارنييرو ورضا سليم، في محاولة لخطف هدف الفوز.
الدقائق الأخيرة شهدت توتراً كبيراً، حيث أشهر الحكم بطاقات صفراء متتالية لكل من كينو كوبيدو وتيبوهو موكوينا في الدقيقتين 89 و90. ورغم المحاولات المستمرة من الجيش الملكي الذي سدد 10 كرات على المرمى، إلا أن المباراة انتهت على وقع التعادل، ليبقى كل شيء معلقاً بانتظار صافرة النهاية في مباراة الإياب.
تحليل فني وختام المشهد
أظهرت الإحصائيات تفوقاً نسبياً للجيش الملكي في السيطرة والمبادرة الهجومية، حيث سدد 4 كرات مؤطرة مقابل 3 لصن داونز، كما قام بـ 322 تمريرة بدقة وصلت إلى 81%. في المقابل، اعتمد صن داونز على الانضباط التكتيكي والتحول السريع، مكتفياً بعرضية واحدة طوال اللقاء، مما يعكس نهجه الدفاعي الصارم خارج دياره.
هذا التعادل يضع الفريقين أمام سيناريوهات مفتوحة؛ فالجيش الملكي أثبت قدرته على الوصول والاختراق، لكنه يحتاج لنجاعة أكبر أمام المرمى، بينما أثبت صن داونز أنه فريق يعرف كيف يمتص الضغط ويعود في أصعب الظروف. رحلة البحث عن اللقب الإفريقي الغالي لا تزال مستمرة، والرباط كانت مجرد محطة في صراع لن يحسم إلا ب صافرة أخيرة تعلن عن ملك جديد للقارة السمراء.
