صمت الشباك في الجبل الأخضر: حكاية تعادل مثير بين المقاولون والاتحاد
تحت أضواء استاد المقاولون العرب الكاشفة، وفي أمسية كروية غلبت عليها الحسابات المعقدة والتوتر الملحوظ، احتضن "الجبل الأخضر" مواجهة من عيار خاص ضمن منافسات مجموعة الهبوط في دوري نايل المصري. لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت معركة تكتيكية طاحنة بين المقاولون العرب بقيادة مدربه سامي قمصان، وضيفه الثقيل الاتحاد السكندري تحت قيادة ميلود حمدي. ورغم أن شباك المرميين استعصت على الاهتزاز طوال تسع وتسعين دقيقة من اللعب، إلا أن الإثارة كانت حاضرة في كل التحام، وفي كل صرخة من المدرجات، وفي كل قرار اتخذه الحكم عمرو عابدين.
أجواء مشحونة وطموحات متباينة
قبل انطلاق صافرة البداية، كان الهواء في الملعب مشبعاً برائحة الترقب. جماهير "سيد البلد" التي زحفت خلف فريقها من الإسكندرية لم تتوقف عن الهتاف، بينما كان لاعبو المقاولون يدركون أن كل نقطة في هذه المرحلة تساوي ذهباً للهروب من شبح الهبوط. دخل الفريقان أرض الملعب والتركيز يبدو جلياً على الوجوه؛ فالمقاولون يسعى لاستغلال عاملي الأرض والجمهور، والاتحاد يطمح للعودة بنتيجة إيجابية تؤمن موقعه. كانت التوقعات تشير إلى مباراة دفاعية حذرة، وهو ما تجسد فعلياً منذ اللحظات الأولى.
الشوط الأول: صراع بدني مبكر
لم يمهل القدر اللاعبين وقتاً لجس النبض، ففي الدقيقة الرابعة فقط، أشهر الحكم عمرو عابدين البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الاتحاد السكندري محمود عماد، بعد تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة واعدة. هذه البطاقة المبكرة وضعت ضغطاً كبيراً على خط وسط "زعيم الثغر" وأعطت انطباعاً بأن المباراة لن تخلو من الخشونة القانونية. انحصر اللعب كثيراً في دائرة المنتصف، حيث حاول شكري نجيب تحريك المياه الراكدة في هجوم المقاولون، بينما تولى عبدالرحمن مجدي مهمة صناعة اللعب للاتحاد، لكن اليقظة الدفاعية من الجانبين كانت بالمرصاد لكل المحاولات، لينتهي الشوط الأول بصمت تهديفي وقلق جماهيري.
الشوط الثاني: شطرنج المدربين والتبديلات الحاسمة
مع بداية الشوط الثاني، قرر سامي قمصان التدخل سريعاً لتنشيط الجبهة الهجومية، فأجرى تبديله الأول في الدقيقة 46 بخروج احمد ولد باهيه ودخول الشاب الموهوب أحمد نادر حواش. هذا التغيير منح المقاولون حيوية أكبر، لكن الاتحاد ظل متماسكاً ومنظماً. ومع مرور الوقت، بدأ المدربان في تحريك قطع الشطرنج؛ ففي الدقيقة 67 دفع قمصان بـ محمد عبدالناصر بدلاً من شكري نجيب الذي بذل مجهوداً وافراً.
أما ميلود حمدي، مدرب الاتحاد، فقد انتظر حتى الدقيقة 72 ليجري تغييراً مزدوجاً قلب به موازين القوى الهجومية، حيث سحب عبدالغنى محمد وعبدالرحمن مجدي، ليدفع بالهداف الأنجولي الخطير مابولولو بجانب محمد تونى. دخول مابولولو أثار الرعب في دفاعات "ذئاب الجبل"، وأجبرهم على التراجع لتأمين المناطق الخلفية، مما جعل الدقائق الأخيرة من المباراة أشبه بحرب استنزاف بدنية ونفسية.
الدقائق الأخيرة: حبس الأنفاس في الجبل
في الدقائق العشر الأخيرة، بلغت الإثارة ذروتها. لجأ سامي قمصان لتعزيز دفاعاته وأطرافه في الدقيقة 84، حيث أشرك إبراهيم القاضى وجوزيف أوشايا بدلاً من مجدي كهربا ونادر هشام. وفي المقابل، رد الاتحاد بتبديلات في الدقيقة 88 بخروج جون إيبوكا ومحمود عماد ودخول فادى فريد ومحمود دونجا لتأمين وسط الملعب وتنشيط الهجوم المرتد.
حتى الدقيقة 90، لم تتوقف المحاولات، حيث دفع المقاولون بآخر أوراقه تشارلز ايكبن يونج بدلاً من جواكيام اوجيرا. احتسب الحكم عمرو عابدين وقتاً بدلاً من ضائع طويلاً وصل إلى تسع دقائق، شهدت محاولات يائسة من كلا الفريقين لخطف هدف الفوز القاتل، إلا أن صافرة النهاية كانت أسرع، لتعلن تعادلاً سلبياً (0-0) فرض نفسه على واقع المباراة.
التحليل الفني: غلبة الدفاع على الهجوم
بالنظر إلى سير المباراة، نجد أن التكتيك الدفاعي تفوق بوضوح على الحلول الهجومية. التبديلات التي أجراها المدربان كانت تهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على التوازن وعدم الخسارة، أكثر من الرغبة في المغامرة الهجومية الكاملة. مابولولو رغم دخوله لم يجد المساحات الكافية، بينما اصطدمت طموحات أحمد نادر حواش بجدار دفاعي سكندري صلب. الإحصائيات تشير إلى تقارب كبير في الاستحواذ، لكن الفاعلية أمام المرمى كانت الغائب الأكبر، مما جعل حارسي المرمى في حالة هدوء نسبي مقارنة بصراع المدافعين.
الخاتمة: نقطة لكل فريق في صراع البقاء
بهذه النتيجة، خرج كل فريق بنقطة واحدة قد تكون ثمينة جداً في حسابات مجموعة الهبوط المعقدة. بالنسبة لـ المقاولون العرب، التعادل على ملعبه قد يبدو مخيباً للآمال، لكنه حافظ على سجله خالياً من الهزيمة في هذه الجولة. أما الاتحاد السكندري، فقد أثبت أنه فريق يصعب كسر كبريائه خارج ملعبه، عائداً بنقطة تعزز موقفه وتمنح لاعبيه ثقة إضافية للمواجهات القادمة. غادرت الجماهير المدرجات وهي تتحدث عن الفرص الضائعة والتبديلات المتأخرة، لكن الحقيقة الوحيدة التي بقيت هي أن "الجبل الأخضر" شهد معركة كروية انتهت بلا غالب ولا مغلوب، في انتظار جولات أخرى ستحسم مصير الكبار في دوري نايل.


