تريزيجيه يرسم الابتسامة الأهلاوية في ليلة الصمود ببرج العرب
في ليلة كروية حبست الأنفاس تحت أضواء استاد برج العرب بالإسكندرية، نجح النادي الأهلي في حسم قمة مباريات مجموعة البطولة في دوري نايل المصري، متفوقاً على مضيفه المصري البورسعيدي بهدفين دون رد. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت ملحمة من الصمود التكتيكي والذكاء الميداني، حيث استطاع "المارد الأحمر" ترويض طموح "نسور بورسعيد" رغم النقص العددي الذي عانى منه الضيوف لأكثر من ساعة من اللعب، ليؤكد الأهلي تربعه على عرش الصدارة برصيد 13 نقطة، بينما تجمد رصيد المصري عند 8 نقاط في المركز الرابع.
أجواء مشحونة وطموحات تعانق السماء
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم الدولي أمين عمر، كانت الأجواء في مدرجات برج العرب توحي بصدام عنيف. المصري البورسعيدي بقيادة مدربه عماد النحاس دخل اللقاء منتشياً بسلسلة من النتائج الإيجابية، باحثاً عن كسر هيبة البطل وتقليص الفارق في صراع القمة. وعلى الجانب الآخر، وضع المدرب الألماني جيس توروب رهانًا كبيراً على شخصية لاعبي الأهلي وقدرتهم على حسم المواعيد الكبرى. التوقعات كانت تشير إلى معركة بدنية في وسط الملعب، لكن الواقع تجاوز كل التوقعات منذ اللحظات الأولى.
بداية صاعقة ومنعرج درامي
لم يمهل الأهلي منافسه سوى دقيقتين فقط حتى أعلن عن نواياه الهجومية؛ فمن هجمة منظمة سريعة، استلم النجم تريزيجيه الكرة وبلمسة الساحر أودعها الشباك في الدقيقة الثانية، مفجراً فرحة عارمة في دكة بدلاء الأحمر. هذا الهدف المبكر أربك حسابات عماد النحاس تماماً، وأجبر المصري على الاندفاع للأمام لتعويض التأخر. وبينما كانت المباراة تسير في اتجاه سيطرة أهلاوية، شهدت الدقيقة 38 تحولاً درامياً كبيراً حين أشهر الحكم أمين عمر البطاقة الحمراء في وجه مدافع الأهلي ياسين مرعي، تاركاً فريقه في موقف لا يحسد عليه.
تحرك جيس توروب بسرعة البرق لترميم دفاعه، فأجرى تبديلاً اضطرارياً في الدقيقة 41 بخروج الجناح حسين الشحات ودخول المدافع هادى رياض. هذا التغيير كان بمثابة إعلان رسمي عن تحول إستراتيجية الأهلي من الهجوم الكاسح إلى الدفاع المنظم والاعتماد على المرتدات، لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف وسط ضغط بورسعيدي لم يثمر عن أهداف.
صمود "العشرة" أمام طوفان بورسعيدي
مع انطلاق الشوط الثاني، دفع عماد النحاس بـ كريم بامبو بدلاً من أسامة الزمراوي لتنشيط الجبهة الهجومية. وبالفعل، فرض المصري سيطرة مطلقة على مجريات اللعب، ووصلت نسبة استحواذه إلى 64%، محاصراً الأهلي في ثلث ملعبه الأخير. وتوالت التبديلات من جانب المصري بدخول عمر الساعي وعمرو السعداوي ومحمد الشامي، في محاولة لفك شفرات الدفاع الأهلاوي الحصين الذي قاده ببراعة الحارس مصطفى شوبير.
وعلى الرغم من كثرة العرضيات التي بلغت 29 عرضية للمصري، إلا أن الفعالية كانت غائبة، حيث لم يسدد أصحاب الأرض سوى تسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة. في المقابل، كان الأهلي يلدغ كالنحل في المرتدات، مستغلاً سرعات تريزيجيه وخبرة إمام عاشور في نقل الكرة بسرعة من الدفاع للهجوم.
تريزيجيه يطلق رصاصة الرحمة
في الدقائق الأخيرة، وبينما كان المصري يرمي بكل ثقله للأمام، حصل الأهلي على ركلة جزاء في توقيت قاتل. انبرى لها المتخصص تريزيجيه في الدقيقة 89، وبثبات انفعالي يحسد عليه، وضع الكرة في المرمى معلناً عن هدفه الشخصي الثاني ورصاصة الرحمة التي قتلت طموحات البورسعيدية. لم تخلُ الدقائق الأخيرة من التوتر، حيث نال محمد مخلوف بطاقة صفراء في الوقت بدل الضائع، كما حصل باهر المحمدي ومصطفى شوبير على إنذارات في وقت سابق من اللقاء نتيجة الحماس الزائد.
استخدم توروب دكة بدلاءه بذكاء في اللحظات الأخيرة لإضاعة الوقت وكسر رتم المنافس، فدفع بـ زيزو ومروان عثمان ومحمد شكري، ليؤمن النتيجة حتى صافرة النهاية التي أعلنت فوزاً تاريخياً للأهلي بعشرة لاعبين.
تحليل النصر: عقلية البطل تتفوق على الاستحواذ
تثبت لغة الأرقام أن الاستحواذ لا يعني دائماً الانتصار؛ فالمصري الذي مرر 469 تمريرة بدقة وصلت إلى 90%، عجز عن هز الشباك بسبب التنظيم الدفاعي الحديدي للأهلي. في المقابل، أظهر الأهلي كفاءة عالية بتسجيل هدفين من أصل تسديدتين فقط على المرمى. كان لتبديل أليو ديانج في الدقيقة 62 بدلاً من أشرف بن شرقي دوراً محورياً في إغلاق العمق الدفاعي وإحباط محاولات المصري المتكررة.
هذا الفوز يمنح الأهلي دفعة معنوية هائلة في سباق اللقب، حيث أثبت الفريق أنه يمتلك البدائل الجاهزة والعقلية القادرة على التعامل مع أصعب الظروف. أما المصري، فعليه مراجعة حساباته في كيفية استغلال التفوق العددي وتحويل السيطرة الميدانية إلى فرص حقيقية على المرمى، إذ لم تشفع له الركنيات السبعة ولا الكرات العرضية الكثيرة في تجنب الخسارة أمام واقعية "نادي القرن".


