ليلة "لويجي فيراريس": ميلان يروض "غرينو" بذكاء أليغري وحسم أثيكامي
تحت أضواء ملعب "لويجي فيراريس" التاريخي، وفي أجواء مشحونة بالعاطفة وصخب الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف، شهد الدوري الإيطالي فصلاً جديداً من فصول الإثارة. كانت المباراة أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ كانت صراعاً بين فلسفتين، بين طموح دانييلي دي روسي مع جنوى، وخبرة ماسيميليانو أليغري مع ميلان. وفي نهاية المطاف، نجح "الروسونيري" في الخروج منتصراً بنتيجة 2-1، في مباراة أثبتت أن النجاعة الهجومية تتفوق أحياناً على السيطرة الميدانية.
هدوء ما قبل العاصفة في "ماراسي"
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم سيمون سوزا، كان الملعب يغلي. جماهير جنوى، المعروفة بوفائها الأسطوري، رسمت لوحة فنية في المدرجات، بينما كان لاعبو ميلان يدركون أن المهمة لن تكون سهلة في معقل "الغرينو". التوقعات كانت تشير إلى مباراة مغلقة تكتيكياً، خاصة مع النهج الذي يتبعه دي روسي في الاستحواذ والبناء من الخلف، وهو ما تحقق بالفعل في الشوط الأول الذي غابت فيه الأهداف وحضر فيه الحذر الشديد.
بدأت المباراة بضغط هادئ من أصحاب الأرض، حيث حاول جنوى فرض إيقاعه مستغلاً تراجع ميلان المنظم. كانت الكرة تدور بين أقدام لاعبي جنوى بنسبة استحواذ وصلت إلى 63%، لكن دفاع ميلان بقيادة فيكايو توموري وماتيو جابيا كان يقف كالسد المنيع أمام محاولات لورينزو كولومبو وفيتينها. انتهى الشوط الأول كما بدأ، سلبياً في النتيجة، لكنه كان مليئاً بالصراعات الثنائية والتحركات التكتيكية المعقدة التي تنبئ بشوط ثانٍ ناري.
نكونكو يكسر الصمت والانفجار التكتيكي
مع بداية الشوط الثاني، لم ينتظر الضيوف كثيراً لتغيير واقع المباراة. في الدقيقة 48، تلقى حارس جنوى جوستين بيجلو بطاقة صفراء بعد تدخل متهور، ليعلن الحكم سيمون سوزا عن ركلة جزاء لمصلحة ميلان. انبرى للنجم الفرنسي كريستوفر نكونكو للكرة، وبكل هدوء وثقة أودعها الشباك في الدقيقة 51، معلناً عن الهدف الأول وافتتاح التسجيل.
هذا الهدف أشعل فتيل المباراة، فارتفعت حدة التوتر في الملعب. وفي الدقيقة 63، أشهر الحكم بطاقتين صفراوين في وجه كل من ماتيو جابيا من ميلان وفيتور أوليفيرا فيتينها من جنوى نتيجة احتكاك بدني قوي، مما عكس حجم الضغط النفسي على اللاعبين. بدأ دي روسي بالتحرك، فأدخل جيف ايخاتور بدلاً من بالدانتزي في الدقيقة 65، محاولاً تنشيط الهجوم، بينما رد أليغري بتبديلات ذكية كانت هي المفتاح لحسم اللقاء.
بدلاء ميلان يصنعون الفارق وملاحقة جنوى المتأخرة
في الدقيقة 76، أجرى أليغري تبديلات جوهرية، حيث دفع بالنجم الأمريكي كريستيان بوليسيتش والبلجيكي كوني دي وينتر. لم يحتج بوليسيتش سوى لخمس دقائق ليترك بصمته؛ ففي الدقيقة 81، ومن تمريرة حاسمة متقنة من "كابتن أمريكا"، استطاع البديل زاكاري أثيكامي أن يسكن الكرة الشباك، معززاً تقدم ميلان بالهدف الثاني. بدت المباراة حينها وكأنها حُسمت تماماً للضيوف، وسط حسرة جماهير جنوى.
لكن "الغرينو" رفض الاستسلام دون قتال. في الدقيقة 86، وبينما كان ميلان يحاول تهدئة اللعب، فاجأ المدافع المكسيكي يوهان فاسكيز الجميع بتسجيل هدف تقليص الفارق لجنوى، مستغلاً هفوة دفاعية بسيطة. وفي نفس الدقيقة، تلقى صامويل ريشي بطاقة صفراء نتيجة محاولته تعطيل اللعب، لتعيش جماهير ميلان دقائق عصيبة في نهاية المباراة.
تحليل الصمود الميلاني ودروس دي روسي
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد مفارقة عجيبة؛ فقد سدد جنوى 11 تسديدة مقابل 5 تسديدات فقط لميلان. كما أن ميلان لم يكمل سوى 199 تمريرة ناجحة بنسبة دقة 79%، بينما مرر جنوى 377 تمريرة بدقة وصلت إلى 85%. هذه الأرقام تؤكد أن ميلان أليغري كان يلعب على المرتدات والنجاعة القصوى، حيث سجل هدفين من أصل 3 تسديدات فقط على المرمى.
لقد كانت التبديلات هي نقطة التحول؛ فدخول بوليسيتش وأثيكامي منح ميلان الأوكسجين اللازم في وقت كان فيه جنوى يضغط بكل قوته. في المقابل، عانى فريق دي روسي من غياب اللمسة الأخيرة أمام المرمى، رغم سيطرته المطلقة على منطقة العمليات واستحواذه الذي وصل لثلثي وقت المباراة تقريباً.
الخاتمة: ميلان يتمسك بمربع الكبار
عندما أطلق سيمون سوزا صافرة النهاية، سقط لاعبو جنوى على الأرض من التعب والإحباط، بينما احتفل لاعبو ميلان بفوز ثمين رفع رصيدهم إلى 70 نقطة، معززين موقعهم في المركز الرابع المؤهل لدوري أبطال أوروبا. بالنسبة لجنوى، كانت المباراة درساً قاسياً في أن الاستحواذ لا يعني دائماً الانتصار، لكن الأداء الذي قدمه رجال دي روسي يمنحهم الأمل في قادم المواعيد.
رحل ميلان من مدينة جنوى بثلاث نقاط ذهبية، تاركاً خلفه ملعب "لويجي فيراريس" يئن تحت وطأة الهزيمة، في ليلة سيتذكرها عشاق "الروسونيري" طويلاً، ليس لجمال الأداء، بل للروح القتالية والذكاء التكتيكي الذي منحهم الفوز في واحدة من أصعب الملاعب الإيطالية.


