ديربي الغضب في تورينو: ريمونتادا "الجراناتا" تكسر كبرياء يوفنتوس في ليلة درامية
تحت أضواء الملعب الأولمبي في تورينو، وبحضور جماهيري صاخب حبس الأنفاس، لم يكن "ديربي ديلا مولي" مجرد مباراة كرة قدم عابرة، بل كان ملحمة إيطالية خالصة تجسدت فيها معاني الإصرار والعودة من بعيد. في ليلة شهدت تقلبات درامية مثيرة، نجح تورينو في قلب الطاولة على جاره اللدود يوفنتوس، محولاً تأخره بهدفين نظيفين إلى تعادل بطعم الانتصار بنتيجة 2-2، في لقاء سيبقى عالقاً في أذهان عشاق "الكالتشيو" لفترة طويلة.
أجواء مشحونة وصراع تكتيكي خلف الخطوط
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم لوكا زوفريلي، كانت الأجواء في مدرجات الملعب الأولمبي تشي بمعركة كروية حامية الوطيس. دخل يوفنتوس اللقاء بقيادة مدربه المحنك لوسيانو سباليتي وعينه على النقاط الثلاث لتعزيز موقعه في المربع الذهبي، بينما كان روبيرتو دافيرسا، مدرب تورينو، يدرك أن الفوز في الديربي يوازي الفوز بلقب خاص في عيون الجماهير الوفية للفريق "العنابي". التوقعات كانت تصب في مصلحة "السيدة العجوز" نظراً للفوارق الفنية، لكن كرة القدم وكعادتها، رفضت الانصياع للمنطق الورقي، مفضلةً كتابة سيناريو أكثر إثارة وتشويقاً.
فلاهوفيتش يفرض سطوته في الشوط الأول
بدأت المباراة بضغط هادئ ومدروس من جانب يوفنتوس، الذي سيطر على منطقة العمليات بفضل تحركات كيفرين تورام وتمريراته المتقنة. وفي الدقيقة 24، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل تورام تمريرة حاسمة وضعت المهاجم الصربي دوسان فلاهوفيتش في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة في الشباك معلناً تقدم الضيوف. هذا الهدف منح يوفنتوس ثقة كبيرة، حيث بلغت نسبة استحواذهم 57%، وسط محاولات خجولة من تورينو للعودة، لينتهي الشوط الأول بتقدم "البيانكونيري" وسط صمت مطبق خيم على جماهير أصحاب الأرض.
بداية عاصفة وتدخلات دافيرسا الحاسمة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى دافيرسا تبديلاً بدا في البداية تقليدياً، بدخول تشيزاري كاسادي بدلاً من جينيتيس، لكن القدر كان يخبئ الكثير. وبينما كان تورينو يبحث عن ثغرة، عاد دوسان فلاهوفيتش في الدقيقة 54 ليصعق الجميع بهدف ثانٍ، بدا وكأنه رصاصة الرحمة التي أطلقت على آمال "الجراناتا". في تلك اللحظة، ظن الجميع أن المباراة حُسمت، وأن يوفنتوس في طريقه لنزهة كروية، لكن روح تورينو القتالية كانت تستعد للانفجار.
في الدقيقة 60، ومن مجهود فردي رائع وتمريرة عرضية متقنة من رافاييل أوبرادور، ارتقى البديل تشيزاري كاسادي فوق الجميع ليسكن الكرة الشباك، مقلصاً الفارق ومشعلًا حماس المدرجات من جديد. هذا الهدف غير مجرى اللقاء تماماً، حيث دبّت الحياة في أوصال لاعبي تورينو، وبدأ الضغط العالي يربك حسابات سباليتي الذي حاول تدارك الموقف بسلسلة من التبديلات، شملت خروج فلاهوفيتش ودخول جوناتان دافيد، وإشراك إيميل هولم وتيون كوبمينيرس لمحاولة استعادة السيطرة.
دراما الدقائق الأخيرة والتعادل القاتل
دخلت المباراة منعرجاً خطيراً في الدقائق العشر الأخيرة، حيث تحولت الساحة إلى صراع بدني عنيف، تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها بيير كالولو من يوفنتوس. وفي الدقيقة 84، حدث ما لم يتوقعه أكثر المتفائلين من عشاق تورينو؛ فمن هجمة منظمة وضغط متواصل، نجح المهاجم تشي ادامز في تسجيل هدف التعادل القاتل، ليتفجر الملعب الأولمبي بصرخات الفرح الجنونية. يوفنتوس الذي كان يسيطر بالطول والعرض، وجد نفسه فجأة يصارع من أجل الحفاظ على نقطة التعادل.
التوتر بلغ ذروته في الدقيقة 88، عندما أشهر الحكم لوكا زوفريلي البطاقة الصفراء في وجه كل من إينزو ايبوسي من تورينو وادون هيجروفا من يوفنتوس نتيجة احتكاك خشن، مما عكس حجم الضغط النفسي الهائل على أرضية الميدان. ورغم احتساب دقائق إضافية، إلا أن النتيجة ظلت صامدة أمام محاولات الفريقين، لينتهي اللقاء بتعادل مثير عكس ندية تاريخية.
تحليل تكتيكي: كيف أفلتت المباراة من يد سباليتي؟
بالنظر إلى الإحصائيات، سدد يوفنتوس 15 كرة منها 3 فقط على المرمى، بينما كان تورينو أكثر فاعلية بتسديد 12 كرة منها 5 على المرمى. التبديلات كانت هي مفتاح التحول؛ فبينما نجح دافيرسا في تنشيط هجومه بإشراك كاسادي وادامز (اللذين سجلا هدفي التعادل)، بدت تبديلات سباليتي دفاعية أكثر من اللازم، مما سمح لتورينو بالتقدم بجرأة أكبر. كما أن فوز تورينو بـ 14 صراعاً هوائياً مقابل 11 ليوفنتوس، أظهر الرغبة الكبيرة للاعبي "الجراناتا" في القتال على كل كرة.
الخاتمة: تعادل بطعم الفوز وخيبة أمل لليوفي
بهذه النتيجة، أثبت تورينو أن الديربي لا يعترف بالمراكز أو الأسماء، بل بالروح والقتال حتى الرمق الأخير. هذا التعادل رفع رصيد تورينو إلى 45 نقطة في المركز الثالث عشر، لكنه منحه دفعة معنوية هائلة تفوق قيمة النقاط. في المقابل، يمثل هذا التعادل خيبة أمل مريرة ليوفنتوس ومدربه سباليتي، حيث فقد الفريق نقطتين ثمينتين في صراع المربع الذهبي، ليتجمد رصيده عند 69 نقطة في المركز السادس. غادر لاعبو يوفنتوس الملعب برؤوس مطأطأة، بينما احتفل لاعبو تورينو مع جماهيرهم بليلة سيتذكرونها طويلاً، ليلة عاد فيها "الجراناتا" من الموت ليفرض كلمته في قلب تورينو.


