تمرد في الجنوب: نادي سليمان يباغت اتحاد بن قردان في ليلة الصمود
في ليلة من ليالي الدوري التونسي الممتاز التي لا تعترف بالحسابات المسبقة، وتحت أضواء ملعب اتحاد بن قردان التي شهدت فصولاً من الإثارة والترقب، نجح نادي سليمان الرياضي في كتابة سطرٍ جديد من سطور الصمود والتحدي. لم تكن مجرد مباراة عادية في إطار الأسبوع الثامن والعشرين من عمر المسابقة، بل كانت معركة كروية تجسد صراع البقاء وإثبات الذات، حيث استطاع الضيوف العودة بنقاط ثلاث ثمينة بعد فوزٍ صعب ومثير بنتيجة هدف مقابل لا شيء، ليقلبوا الطاولة على صاحب الأرض والجمهور.
صراع الطموح والبقاء في قلب "الرابطة المحترفة"
دخل الفريقان أرضية الميدان ولكل منهما قصة مختلفة في جدول الترتيب؛ اتحاد بن قردان، المستقر نسبياً في المركز التاسع برصيد 34 نقطة، كان يطمح لاستغلال عامل الأرض والجمهور لتعزيز موقعه والاقتراب من مناطق النخبة، مستنداً إلى سجلٍ بيتي محترم حقق فيه 5 انتصارات و5 تعادلات. في المقابل، كان نادي سليمان الرياضي يشد الرحال إلى الجنوب وهو يدرك تماماً أن أي تعثر قد يعصف بآماله في تحسين وضعيته، حيث دخل المباراة وهو يقبع في المركز الخامس عشر برصيد 24 نقطة، حاملاً معه أوجاع موسم صعب ونتائج متذبذبة.
الأجواء في المدرجات كانت مشحونة بالعاطفة، وجماهير الاتحاد لم تتوقف عن الهتاف، مطالبة لاعبيها بفرض سيطرتهم منذ البداية. غير أن ملامح الحذر كانت بادية على وجه مدربي الفريقين، فالمباراة في هذه المرحلة من الموسم (أوائل شهر مايو) لا تحتمل المغامرات غير المحسوبة، وكل تمريرة خاطئة قد تكون ثمنها غالياً جداً في حسابات النقاط والمراكز.
الشوط الأول: جس نبض ومعركة وسط الميدان
أطلق الحكم صافرة البداية، ومعها بدأت رحلة البحث عن الثغرة. اعتمد اتحاد بن قردان على أسلوبه المعتاد في بناء اللعب من الخلف، محاولاً استغلال الأطراف لفك شفرة الدفاع المتكتل لنادي سليمان. كانت الكرة تتناقل بين أقدام لاعبي الاتحاد بذكاء، لكنهم اصطدموا بتنظيم دفاعي حديدي من الضيوف الذين أغلقوا كل المنافذ المؤدية إلى مرماهم. اتسم اللعب بالندية البدنية العالية، حيث شهدت منطقة العمليات صراعات ثنائية شرسة، مما جعل الكرة حبيسة وسط الميدان لفترات طويلة.
ردود فعل اللاعبين كانت تعكس حجم الضغط؛ فكل تدخل دفاعي ناجح من لاعبي سليمان كان يقابله تشجيع حار من دكة بدلاؤهم، بينما كانت علامات الاستياء تظهر على وجوه مهاجمي الاتحاد كلما ضاعت فرصة أو قطعت تمريرة بينية. انتهى الشوط الأول كما بدأ، سلبياً في النتيجة، لكنه كان غنياً بالدروس التكتيكية، حيث نجح نادي سليمان في امتصاص حماس أصحاب الأرض، والخروج بنتيجة التعادل التي كانت تخدم خطتهم في جر المباراة إلى حيث يريدون.
الشوط الثاني: لحظة الحسم وانفجار الفرحة
مع انطلاق الشوط الثاني، ارتفع إيقاع اللعب بشكل ملحوظ. بدأ اتحاد بن قردان يرمي بكل ثقله الهجومي، محاولاً استغلال إحصائياته الهجومية التي سجلت 18 هدفاً طوال الموسم، لكن الدفاع المستميت لنادي سليمان ظل صامداً كالطود العظيم. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر هدف التقدم للاتحاد، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فمن هجمة مرتدة سريعة ومنظمة، استغل مهاجمو سليمان اندفاع لاعبي بن قردان للأمام، لينجحوا في هز الشباك بهدفٍ صعق المدرجات وأشعل دكة بدلاء الضيوف.
الهدف الوحيد في المباراة لم يكن مجرد كرة استقرت في الشباك، بل كان تتويجاً لعمل جماعي جبار وصبر تكتيكي لافت. بعد الهدف، تغيرت ملامح المباراة تماماً؛ حيث اندفع اتحاد بن قردان بكل خطوطه للأمام، وأجرى المدرب تبديلات هجومية لزيادة الكثافة داخل منطقة جزاء الخصم، بينما تراجع نادي سليمان لتأمين تقدمه، معتمداً على استبسال حارس مرمى كان في يومه، ومدافعين يقاتلون على كل كرة وكأنها الأخيرة.
تكتيك الصمود وإدارة الدقائق الأخيرة
لعبت التبديلات دوراً محورياً في الدقائق الأخيرة؛ فبينما كان اتحاد بن قردان يدفع بدماء جديدة لتنشيط الهجوم، كان نادي سليمان يرد بتبديلات دفاعية لغلق المساحات وتأمين العمق. البطاقات الملونة ظهرت في أكثر من مناسبة نتيجة التوتر والاندفاع البدني، مما زاد من وتيرة الإثارة في الدقائق الأخيرة التي بدت وكأنها دهر بالنسبة لجماهير سليمان. الإحصائيات تشير إلى أن الاتحاد استحوذ أكثر على الكرة، لكن الفعالية كانت لصالح الضيوف الذين عرفوا كيف يقتنصون الفوز من أنياب "أسود الجنوب".
صافرة النهاية أعلنت عن انتصار تاريخي لنادي سليمان خارج قواعده، وهو الانتصار الرابع له بعيداً عن ملعبه هذا الموسم، ليرفع رصيده إلى 24 نقطة في المركز الخامس عشر، محققاً فوزاً معنوياً ونقطياً قد يكون نقطة التحول في مسيرته للهروب من قاع الترتيب. أما اتحاد بن قردان، فقد تجمد رصيده عند 34 نقطة، ليبقى في وسط الترتيب، محاولاً مراجعة أوراقه بعد هذه الخسارة المفاجئة على أرضه.
خاتمة: دروس من المستطيل الأخضر
إن ما حققه نادي سليمان الرياضي في هذه المباراة يثبت مرة أخرى أن كرة القدم لا تعترف بالترتيب أو التوقعات الورقية، بل تعترف بالجهد المبذول فوق العشب الأخضر. لقد كانت ليلة قاسية على اتحاد بن قردان الذي سيطر واستحوذ ولكنه افتقد للمسة الأخيرة القاتلة، بينما كانت ليلة عيد لنادي سليمان الذي أثبت أن الروح القتالية يمكن أن تعوض أي فوارق فنية. هذا الفوز يمنح الدوري التونسي الممتاز نكهة خاصة من الإثارة في جولاته الأخيرة، ويؤكد أن صراع البقاء سيظل مشتعلاً حتى الرمق الأخير.


