مهرجان أهداف في العاصمة: بارادو يبعثر أوراق شباب قسنطينة بخماسية تاريخية
في أمسية كروية لم تكن تشبه سابقاتها، وتحت سماء العاصمة التي حبست أنفاسها ترقباً لصدام متباين الطموحات، شهد الدوري الجزائري واحدة من أكثر المباريات إثارة وغزارة تكتيكية وتهديفية في الموسم الحالي. لم يكن أشد المتفائلين من عشاق نادي بارادو يتوقع أن تنتهي مواجهتهم أمام العملاق شباب قسنطينة بثمانية أهداف كاملة، في لقاء شهد تفوق أصحاب الأرض بنتيجة عريضة بلغت خمسة أهداف مقابل ثلاثة، ليعلن "الأكاديمية" عن تمرد صريح على منطق الأرقام والمراكز.
دخل الفريقان أرضية الميدان في ظل ظروف متناقضة تماماً؛ فصاحب الأرض، نادي بارادو، كان يرزح تحت وطأة المركز الرابع عشر برصيد 24 نقطة، مثقلاً بسلسلة من النتائج السلبية التي جعلت شبح الهبوط يلوح في الأفق. وفي المقابل، دخل "السنافر" اللقاء وهم في المركز الخامس برصيد 42 نقطة، مدفوعين برغبة جامحة في اقتحام المربع الذهبي وتأكيد تفوقهم الفني والبدني. لكن كرة القدم، كما عودتنا دائماً، لا تعترف إلا بعطاء الدقائق التسعين فوق العشب الأخضر.
بداية عاصفة وإعصار هجومي
منذ صافرة البداية، بدا واضحاً أن نادي بارادو لم يأتِ ليكون لقمة صائغة في أفواه الضيوف. اتسم أداء "الأكاديمية" بالسرعة الفائقة في نقل الكرة والضغط العالي في مناطق الخصم، مما أربك حسابات دفاع شباب قسنطينة. لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى بدأت شباك الضيوف بالاهتزاز، حيث استغل مهاجمو بارادو الثغرات الدفاعية الواضحة والتمركز الخاطئ لخط ظهر "الخضورة".
توالت الأهداف في الشوط الأول كالسيل الجارف، حيث نجح لاعبو بارادو في ترجمة سيطرتهم الميدانية إلى أهداف متتالية، وسط ذهول من دكة بدلاء شباب قسنطينة وجماهيرهم التي لم تستوعب كيف لفريق يعاني في مؤخرة الترتيب أن يمزق شباكهم بهذا الشكل. كانت التحركات بين الخطوط هي السلاح الفتاك لبارادو، حيث اعتمدوا على التمريرات القصيرة السريعة التي تميز مدرستهم الكروية، مما جعل لاعبي الوسط في قسنطينة يركضون خلف الكرة دون جدوى.
صحوة "السنافر" ورد فعل الكبرياء
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول مدرب شباب قسنطينة تدارك الموقف عبر إجراء تغييرات تكتيكية وضخ دماء جديدة في خط الوسط والهجوم. وبالفعل، بدأت ملامح الصحوة تظهر على أداء الضيوف الذين رفضوا الاستسلام لتلك النتيجة القاسية. اندفع لاعبو قسنطينة نحو الهجوم بكل ثقلهم، ونجحوا في تقليص الفارق في أكثر من مناسبة، لتتحول المباراة إلى "ماراثون" تهديفي مثير.
لم تتوقف الإثارة عند حد الأهداف فقط، بل شهد اللقاء صراعاً بدنياً قوياً استوجب تدخل الحكم لإشهار البطاقات الملونة للسيطرة على حماس اللاعبين الزائد. كان لكل بطاقة صفراء وقعها على رتم اللعب، حيث توخى المدافعون الحذر في التدخلات، مما فتح مساحات إضافية للمهاجمين من الجانبين. ومع وصول النتيجة إلى 5-3، اشتعلت المدرجات وبلغت الإثارة ذروتها، حيث أصبح اللعب مفتوحاً على كل الاحتمالات، فكل هجمة كانت تحمل في طياتها مشروع هدف جديد.
التبديلات التكتيكية ومنعرج الحسم
لعبت التبديلات دوراً محورياً في الحفاظ على تقدم بارادو؛ ففي الوقت الذي كان فيه شباب قسنطينة يضغط بكل قوته للعودة في النتيجة، قام مدرب بارادو بإقحام عناصر دفاعية لغلق المنافذ، مع الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي شكلت خطورة دائمة على مرمى الضيوف. هذا الانضباط التكتيكي العالي مكن أصحاب الأرض من امتصاص حماس "السنافر" وقتل وتيرة اللعب في الدقائق الأخيرة الحساسة.
على الجانب الآخر، ورغم تسجيل شباب قسنطينة لثلاثة أهداف خارج قواعدهم، وهو رقم تهديفي ممتاز في العادة، إلا أن هشاشة الدفاع في هذا اللقاء كانت هي الثغرة التي لم ينجح الفريق في ردمها. الإحصائيات تشير إلى أن الفعالية الهجومية لبارادو كانت في أوجها، حيث نجحوا في تحويل معظم فرصهم المحققة إلى أهداف، مستغلين حالة عدم التركيز التي أصابت حارس ومدافعي الفريق القسنطيني.
خاتمة: فوز يتجاوز النقاط الثلاث
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، سادت حالة من الفرحة العارمة في معسكر نادي بارادو؛ فهذا الفوز ليس مجرد ثلاث نقاط تضاف لرصيدهم، بل هو بمثابة جرعة أكسجين قوية في صراع البقاء. رفع بارادو رصيده بهذا الانتصار التاريخي، مكسراً سلسلة الهزائم الثلاث المتتالية التي تجرع مرارتها في الجولات السابقة، ومثبتاً للجميع أن "الأكاديمية" لا تزال تمتلك الموهبة والقدرة على مجابهة الكبار.
أما بالنسبة لشباب قسنطينة، فإن هذه الخسارة القاسية بخماسية ستفتح باب التساؤلات حول الأداء الدفاعي للفريق في المباريات الكبيرة خارج الديار. ورغم بقائهم في مركز متقدم، إلا أن فقدان النقاط بهذا الشكل قد يعقد حساباتهم في المنافسة على المراكز المؤهلة للمسابقات القارية. لقد كانت ليلة للذكرى في الدوري الجزائري، ليلة أكدت أن المستطيل الأخضر لا يعترف بالترتيب، بل يعترف فقط بمن يسجل أكثر ويقاتل حتى الرمق الأخير.


