ثلاثية نظيفة ترسم ملامح التفوق.. نجم بن عكنون يُعمق جراح ترجي مستغانم
في أمسية كروية حملت في طياتها الكثير من الإثارة والندية ضمن منافسات الدوري الجزائري، استقبل ملعب اللقاء مواجهة كروية جمعت بين طموح نجم بن عكنون الساعي لتثبيت أقدامه في المنطقة الدافئة، وبين ترجي مستغانم الذي دخل اللقاء مثقلاً بجراح الهزائم والبحث عن طوق نجاة في مؤخرة الترتيب. ولم تكن النتيجة مجرد أرقام تُضاف إلى الرصيد، بل كانت تجسيداً لواقع الميدان الذي شهد سيطرة مطلقة لأصحاب الأرض، انتهت بفوز عريض قوامه ثلاثة أهداف دون رد، ليرسل نجم بن عكنون رسالة قوية لمنافسيه في البطولة.
أجواء ما قبل الصافرة: صراع البقاء وطموح الارتقاء
قبل انطلاق المباراة في تمام الساعة الثالثة مساءً من يوم التاسع عشر من مايو لعام 2026، كانت الأجواء في الملعب تشي بمواجهة من نوع خاص. دخل نجم بن عكنون اللقاء وهو يحتل المركز الثامن برصيد 41 نقطة، مدعوماً بسجل متوازن يضم 11 انتصاراً، بينما كان الضيف، ترجي مستغانم، يعاني في المركز الخامس عشر برصيد 19 نقطة فقط. التوقعات كانت تصب في مصلحة أصحاب الأرض، خاصة وأن الإحصائيات قبل المباراة كانت تشير إلى عجز واضح للترجي خارج دياره، حيث لم يتذوق طعم الانتصار في أي مباراة بعيداً عن قواعده طوال الموسم، مكتفياً بتعادلين و13 هزيمة مريرة.
الجماهير التي حضرت لمساندة "النجم" كانت تمني النفس بثلاثية تعيد الفريق إلى سكة الانتصارات بعد تذبذب في النتائج خلال الجولات الخمس الأخيرة، بينما كانت ملامح القلق تبدو واضحة على وجوه قلة من مشجعي مستغانم الذين رافقوا فريقهم، آملين في معجزة كروية توقف نزيف النقاط المستمر.
الشوط الأول: ضغط مكثف وحصار أبيض وأسود
مع إطلاق الحكم صافرة البداية، لم يمهل نجم بن عكنون ضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه. اندفع أصحاب الأرض نحو الهجوم بضراوة، معتمدين على الكرات القصيرة السريعة والانتشار الجيد في وسط الميدان. بدا واضحاً أن الرغبة في التسجيل المبكر هي العنوان الأبرز لكتيبة بن عكنون، حيث فرضوا حصاراً خانقاً على منطقة جزاء ترجي مستغانم الذي تراجع كلياً للدفاع، معتمداً على تشتيت الكرات والتدخلات البدنية القوية لإيقاف زحف المهاجمين.
هذا الضغط أسفر عن ارتباك واضح في الخطوط الخلفية للترجي، وهو ما استغله مهاجمو بن عكنون بذكاء. وبينما كانت المباراة تقترب من منتصف الشوط الأول، نجح أصحاب الأرض في هز الشباك للمرة الأولى، وهو الهدف الذي فجر الفرحة في المدرجات وأربك حسابات الضيوف تماماً. لم يكتفِ نجم بن عكنون بهذا الهدف، بل واصل عزفه المنفرد، مستغلاً الفجوات الكبيرة بين خطي الوسط والدفاع في تشكيلة مستغانم، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح عكس السيطرة الميدانية المطلقة.
الشوط الثاني: رصاصة الرحمة وتأكيد التفوق
دخل ترجي مستغانم الشوط الثاني محاولاً إجراء بعض التعديلات التكتيكية والتبديلات في الأسماء لعلها تعيد الروح للفريق، إلا أن نجم بن عكنون كان قد أحكم قبضته على مجريات اللقاء. مع مرور الدقائق، بدأت علامات الاستسلام تظهر على لاعبي الترجي، خاصة مع العجز الواضح في بناء الهجمات أو تهديد مرمى أصحاب الأرض بشكل جدي. وفي المقابل، كان "النجم" يتحرك بذكاء وهدوء، مدوراً الكرة في أرجاء الملعب لاستنزاف ما تبقى من طاقة لدى الخصم.
الهدف الثاني جاء ليكون بمثابة "رصاصة الرحمة" التي قضت على آمال الضيوف في العودة، حيث جاء نتيجة جملة تكتيكية رائعة تعكس الانسجام الكبير بين لاعبي بن عكنون. ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى أضاف أصحاب الأرض الهدف الثالث، ليؤكدوا علو كعبهم في هذه الأمسية. المباراة شهدت أيضاً بعض التدخلات القوية التي استوجبت إشهار البطاقات الملونة من قبل الحكم للسيطرة على الأعصاب المتوترة، خاصة من جانب لاعبي مستغانم الذين شعروا بمرارة الهزيمة الثقيلة.
التحليل الفني: لماذا سقط الترجي وتألق النجم؟
بالنظر إلى الإحصائيات والأداء، نجد أن نجم بن عكنون تفوق تكتيكياً وذهنياً. الفريق يمتلك قوة هجومية سجلت 37 هدفاً هذا الموسم، بينما يعاني دفاع ترجي مستغانم الذي استقبلت شباكه 49 هدفاً، وهو رقم كارثي يفسر موقعه المتأخر في جدول الترتيب. التبديلات التي أجراها مدرب بن عكنون ساهمت في الحفاظ على ريتم اللقاء ومنحت الفريق نفساً جديداً في الدقائق الأخيرة، مما حال دون استقبال أي هدف وحافظ على نظافة الشباك.
أما ترجي مستغانم، فقد بدا فريقاً بلا هوية خارج ملعبه، حيث استمرت عقدة المباريات الخارجية. الفوارق الفنية كانت شاسعة، خاصة في التحول من الدفاع للهجوم، حيث كان لاعبو بن عكنون أسرع وأكثر دقة في التمرير، بينما غابت الحلول الفردية والجماعية عن لاعبي الترجي الذين اكتفوا بمشاهدة خصمهم وهو يتلاعب بالكرة.
الخاتمة: خطوة نحو الأمام وأخرى نحو المجهول
بهذا الانتصار العريض بنتيجة 3-0، رفع نجم بن عكنون رصيده إلى 44 نقطة، معززاً مكانته في وسط الترتيب ومقترباً أكثر من فرق المقدمة، وهو ما يمنح الفريق دفعة معنوية هائلة للمباريات القادمة. في المقابل، تجمّد رصيد ترجي مستغانم عند 19 نقطة، ليبقى غارقاً في المركز قبل الأخير، وتصبح مهمة البقاء في الرابطة المحترفة الأولى غاية في الصعوبة، حيث يحتاج الفريق إلى انتفاضة حقيقية ومعالجة فورية لمشاكله الدفاعية والهجومية.
لقد كانت مباراة من طرف واحد، أثبت فيها نجم بن عكنون أن الاستقرار الفني والروح القتالية هما مفتاح النجاح، بينما سيبقى على ترجي مستغانم مراجعة أوراقه سريعاً قبل فوات الأوان، فالدوري لا يرحم، والنتائج هي الفيصل الوحيد في عالم كرة القدم.


