ملحمة "راشد بن سعيد": حين ترفض كرة القدم الاستسلام في ليلة درامية
تحت أضواء ستاد راشد بن سعيد الكاشفة، وفي أجواء كانت تنبئ بليلة كروية لا تُنسى، احتضنت مدينة عجمان واحدة من أكثر مباريات الدوري الإماراتي للمحترفين إثارة وتشويقاً. لم تكن المواجهة بين عجمان وضيفه النصر مجرد مباراة في جدول الترتيب، بل كانت صراعاً على الهيبة وإثبات الذات في الجولة السادسة والعشرين من عمر المسابقة. صافرة الحكم محمد الهرمودي أعلنت انطلاق ملحمة كروية، انتهت بتعادل مثير بهدفين لكل فريق، في سيناريو لم يكن ليتخيله أعتى مخرجي السينما العالمية.
زلزال برتقالي مبكر.. أزارو يفتتح السيمفونية
لم يكد الجمهور يستقر في مقاعده، ولم تكد عقارب الساعة تتم دورتها الثانية، حتى اهتزت الشباك بعنف. وليد أزارو، القناص المغربي الذي لا يرحم، استغل هفوة دفاعية مبكرة ليزرع الفرح في مدرجات "البرتقالي". في الدقيقة الثانية، أعلن أزارو عن تقدم عجمان، واضعاً الضيوف في موقف حرج منذ البداية. هذا الهدف المبكر أشعل فتيل اللقاء، حيث حاول النصر "العميد" لملمة جراحه والبحث عن ثغرة في جدار عجمان الدفاعي، لكن أصحاب الأرض كانوا في قمة تركيزهم، يغلقون المساحات ويعتمدون على المرتدات السريعة التي أربكت حسابات النصراويين.
استمر الضغط المتبادل، وبينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، عاد وليد أزارو ليظهر في الكادر مرة أخرى. في الدقيقة 42، ومن جملة تكتيكية منظمة، نجح أزارو في تدوين هدفه الشخصي الثاني وهدف فريقه الثاني. ساد الصمت للحظات ترقباً لقرار غرفة "الفار"، وبعد مراجعة دقيقة من الحكم محمد الهرمودي، جاء التأكيد: الهدف صحيح. لينتهي الشوط الأول بتقدم عجمان بهدفين نظيفين، وسط ذهول من لاعبي النصر الذين وجدوا أنفسهم أمام جبل شاهق عليهم تسلقه في الشوط الثاني.
انتفاضة "العميد": روح لا تعرف اليأس
دخل النصر الشوط الثاني بروح مختلفة تماماً، فكبرياء "العميد" لا يسمح بالاستسلام دون قتال. ومع انطلاق صافرة الشوط الثاني، بدا واضحاً أن هناك تعليمات صارمة بتكثيف الهجوم. ولم يتأخر الرد كثيراً، ففي الدقيقة 52، نجح شيكنا دومبيا في تقليص الفارق، بعدما استثمر كرة عرضية متقنة ليضعها في الشباك، معيداً الأمل لقلوب عشاق الأزرق. هذا الهدف غير مجرى المباراة تماماً، حيث تراجع عجمان قليلاً لتأمين تقدمه، بينما اندفع النصر بكل ثقله نحو الهجوم.
أجواء الملعب اشتعلت، وصيحات الجماهير لم تتوقف. مدرب النصر أجرى تبديلات هجومية لضخ دماء جديدة، بينما حاول مدرب عجمان الحفاظ على توازن فريقه من خلال تبديلات دفاعية تهدف لامتصاص حماس الضيوف. الدقائق كانت تمر ثقيلة على أصحاب الأرض، وسريعة كالبرق على الضيوف. توترت الأعصاب، وزاد الاحتكاك البدني، مما استدعى تدخل الحكم لضبط الإيقاع، وسط استبسال دفاعي من عجمان وتألق لافت لحارس مرمى "البرتقالي" الذي ذاد عن مرماه في أكثر من مناسبة خطيرة.
رصاصة الرحمة في الوقت القاتل: توريه يقلب الطاولة
وصلت المباراة إلى دقائقها الأخيرة، وبدأ البعض يعتقد أن النقاط الثلاث ستبقى في ستاد راشد بن سعيد. أشار الحكم الرابع إلى الوقت بدل الضائع، وفي اللحظة التي كان يستعد فيها جمهور عجمان للاحتفال، حدث ما لم يكن في الحسبان. في الدقيقة الثالثة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع (90+3)، انشق الأرض عن عبد الله توريه، الذي استقبل كرة طائشة داخل منطقة الجزاء، وبلمسة هادئة وواثقة، أرسلها إلى أقصى الزاوية، معلناً عن هدف التعادل القاتل.
انفجرت دكة بدلاء النصر فرحاً، وساد وجوم مطبق على لاعبي عجمان الذين رأوا فوزاً غالياً يضيع من بين أيديهم في الأنفاس الأخيرة. لم يسعف الوقت المتبقي أي من الفريقين لتغيير النتيجة، ليطلق محمد الهرمودي صافرة النهاية على واحدة من أجمل مباريات الموسم، معلناً تعادلاً بطعم الفوز للنصر، وخسارة بطعم العلقم لعجمان.
قراءة فنية: صراع الإرادة بين البرتقالي والأزرق
بالنظر إلى الإحصائيات وسير اللقاء، نجد أن عجمان كان الطرف الأفضل في استغلال الفرص خلال الشوط الأول، حيث تميز بفعالية هجومية وصلت إلى حد المثالية بفضل تحركات وليد أزارو. إلا أن التراجع الدفاعي المبالغ فيه في الشوط الثاني سمح للنصر بالاستحواذ على الكرة والضغط المستمر. النصر، من جانبه، أظهر شخصية الفريق الكبير، فلم يتأثر بالهدفين المبكرين، وواصل المحاولة حتى الرمق الأخير. التبديلات كانت حاسمة، حيث منحت النصر النفس الطويل للضغط في المناطق الأمامية، بينما عانى عجمان من تراجع المخزون البدني في الدقائق الأخيرة.
بهذه النتيجة، رفع النصر رصيده إلى 38 نقطة ليحافظ على مركزه السادس، مؤكداً أنه فريق لا يستسلم أبداً مهما كانت الظروف. أما عجمان، فقد وصل إلى النقطة 32 في المركز السابع، ورغم مرارة التعادل، إلا أن الأداء الذي قدمه الفريق يعكس التطور الكبير الذي طرأ على مستواه هذا الموسم، وقدرته على مقارعة الكبار في ملاعب كرة القدم الإماراتية.
الخاتمة: درس في الإصرار
خرجت جماهير الفريقين من الملعب وهي تتحدث عن "سيناريو مجنون". لقد كانت مباراة عجمان والنصر تجسيداً حقيقياً لجمال كرة القدم، حيث لا ينتهي اللقاء إلا بصافرة الحكم. وليد أزارو كان النجم المطلق في البداية، لكن عبد الله توريه ورفاقه في النصر سرقوا الأضواء في النهاية. ستبقى هذه المباراة محفورة في ذاكرة مشجعي الفريقين كدرس في الإصرار والعزيمة، وكدليل جديد على أن الدوري الإماراتي يخبئ دائماً المفاجآت حتى الثواني الأخيرة.


