دراما الدقائق الأخيرة في بتروسبورت: كهرباء الإسماعيلية يرفض الانكسار ويخطف تعادلاً قاتلاً من ذئاب الجبل
في ليلة حبست فيها الأنفاس تحت أضواء استاد بتروسبورت الساطعة، عاش عشاق الكرة المصرية فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في دوري نايل المصري. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت معركة كروية طاحنة ضمن "مجموعة الهبوط"، حيث تتصارع الأندية من أجل البقاء في دائرة الضوء. انتهت الملحمة بتعادل مثير بهدفين لكل فريق بين كهرباء الإسماعيلية والمقاولون العرب، في لقاء شهد تقلبات دراماتيكية جعلت الجماهير تترقب الصافرة النهائية وهي على أطراف أصابعها.
صراع العقول والبحث عن طوق النجاة
دخل الفريقان أرض الملعب والضغوط تتربص بكل تمريرة وكل تسديدة. على الدكة الفنية، وقف رضا شحاتة مدرب الكهرباء بطموحه المعهود، يواجه خبرة سامي قمصان الذي يقود "ذئاب الجبل" في مرحلة مفصلية. الأجواء في الملعب كانت مشحونة بالرغبة في الانتصار، فالفوز هنا لا يعني مجرد ثلاث نقاط، بل هو خطوة عملاقة نحو تأمين البقاء. صافرة الحكم محمود ناجي أعلنت بداية العرض، ولم يتأخر الإيقاع في التصاعد، حيث بدا واضحاً أن المقاولون العرب جاءوا لفرض كلمتهم مبكراً.
شوط التقلبات: الذئاب تضرب والكهرباء تستجيب
لم تمر سوى تسع دقائق حتى اهتزت المدرجات؛ ضغط مبكر للمقاولون أسفر عن ركلة جزاء انبرى لها الاختصاصي عمر الوحش. بهدوء الواثق، وضع الوحش الكرة في الشباك معلناً تقدم "الذئاب" بالهدف الأول، وهو ما أعطى الضيوف دفعة معنوية هائلة. لكن "كهرباء الإسماعيلية" لم ينطفئ وهجه، بل زاد اشتعالاً بردة فعل سريعة ومنظمة. وفي الدقيقة التاسعة عشرة، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل اسلام عبد النعيم تمريرة حاسمة وضعت زميله علي سليمان في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك معيدة المباراة إلى نقطة الصفر.
استمر السجال في وسط الملعب، وبينما ظن الجميع أن الشوط الأول في طريقه للنهاية بالتعادل، ظهر إسلام جابر بلمحة فنية في الدقيقة السادسة والثلاثين، حيث مرر كرة متقنة للمهاجم القناص شكري نجيب. لم يتوانَ نجيب في إيداع الكرة المرمى، مانحاً المقاولون العرب التقدم مرة أخرى ومشعلاً فرحة عارمة في معسكر ذئاب الجبل. وقبل أن يطلق الحكم صافرة نهاية الشوط، نال جوزيف أوشايا بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، في إشارة إلى تصاعد حدة التنافس البدني.
شوط المدربين: رهانات "شحاتة" وتماسك "قمصان"
مع بداية الشوط الثاني، كان على رضا شحاتة التدخل لتغيير المسار. وفي الدقيقة الثانية والستين، أجرى "المعلم" تبديلاً ثلاثياً جريئاً بدخول عبد الله مارادونا واحمد حمزه ومحمد شيكا بدلاً من روميو وجهينه وعمر السعيد. هذا التغيير ضخ دماءً جديدة في عروق الكهرباء، وبدأ الفريق يفرض حصاراً على مناطق المقاولون. في المقابل، حاول سامي قمصان تأمين دفاعاته وإغلاق المساحات من خلال سلسلة تبديلات، فدفع بأحمد نادر حواش ومصطفى جمال وحسن حسين، محاولاً الحفاظ على التقدم الثمين.
الدقائق الأخيرة كانت أشبه بفيلم سينمائي طويل من التشويق. المقاولون العرب تراجعوا للدفاع للحفاظ على النتيجة، بينما اندفع لاعبو الكهرباء بكل ثقلهم نحو الهجوم. التوتر بلغ ذروته في الدقيقة الثامنة والثمانين عندما تلقى مدافع المقاولون محمد حامد بطاقة صفراء، ولم تمر دقيقتان حتى ارتكب خطأً فادحاً كلفه البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليغادر الملعب تاركاً فريقه في موقف لا يحسد عليه في الوقت المبدد.
سيناريو مجنون وصدمة في الوقت القاتل
النقص العددي للمقاولون والارتباك الدفاعي أسفرا عن ركلة جزاء لصالح كهرباء الإسماعيلية في الدقيقة الثانية بعد التسعين. تقدم البديل محمد شيكا، الذي كان رهان رضا شحاتة الناجح، وحمل على عاتقه آمال جماهير الإسماعيلية. ببرود أعصاب يُحسد عليه، سدد شيكا الكرة داخل الشباك، لينفجر الملعب احتفالاً بهدف التعادل القاتل. الأمتار الأخيرة من اللقاء شهدت محاولات يائسة من الطرفين لخطف الفوز، لكن صافرة محمود ناجي كانت أسرع، لتعلن نهاية المباراة بتعادل عادل (2-2) يعكس حجم الجهد المبذول من الجانبين.
تحليل فني: التبديلات التي صنعت الفارق
تكتيكياً، يمكن القول إن المباراة كانت مباراة "البدلاء". فبينما نجح سامي قمصان في تسيير المباراة لصالحه لأكثر من ثمانين دقيقة، كان لتبديلات رضا شحاتة الكلمة العليا في النهاية، خاصة دخول محمد شيكا الذي سجل هدف التعادل. الإحصائيات تشير إلى مباراة متكافئة إلى حد كبير، حيث تقاسم الفريقان السيطرة، لكن الروح القتالية للاعبي الكهرباء في الدقائق الأخيرة كانت هي الفيصل. البطاقة الحمراء التي تلقاها محمد حامد كانت نقطة التحول الكبرى، حيث أفقدت المقاولون توازنهم الدفاعي في أصعب لحظات المباراة.
خاتمة: نقطة بطعم الفوز وصراع لا يهدأ
بهذا التعادل، خرج كل فريق بنقطة قد تكون غالية جداً في حسابات البقاء المعقدة. بالنسبة لـ كهرباء الإسماعيلية، فإن العودة في النتيجة في الوقت القاتل تمنح اللاعبين دفعة معنوية هائلة وتؤكد أن الفريق يمتلك الشخصية اللازمة للبقاء في دوري نايل. أما المقاولون العرب، فرغم مرارة فقدان النقطتين في اللحظات الأخيرة، إلا أن الأداء القوي الذي قدمه الفريق يبشر بقدرته على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. ستبقى هذه المباراة عالقة في الأذهان كواحدة من أكثر مواجهات الموسم إثارة، مذكرِةً الجميع بأن كرة القدم لا تعترف بالنهايات إلا مع صافرة الحكم الأخيرة.


