ليلة خضراء في السويس: المصري البورسعيدي يتربع على عرش كأس عاصمة مصر بثلاثية في شباك إنبي
تحت أضواء ستاد السويس الجديد الكاشفة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس، لم يكن الصمت هو سيد الموقف، بل كانت أهازيج الفرح البورسعيدي هي التي ملأت الأرجاء. في ليلة تاريخية، نجح فريق المصري البورسعيدي في كتابة سطر جديد بذهب في سجلات الكرة المصرية، بعدما تمكن من حسم لقب كأس عاصمة مصر لصالحه، متفوقاً على منافسه إنبي بثلاثية نظيفة، في مباراة نهائية تجسدت فيها كل معاني الإثارة، التكتيك، والروح القتالية العالية.
أجواء ما قبل الصدام: حلم الكأس يغازل الجميع
قبل إطلاق صافرة البداية، كان التوتر يسيطر على جنبات الملعب. محمد التابعي الغازي، حكم اللقاء، كان يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في إدارة نهائي يجمع بين مدرستين مختلفتين؛ مدرسة محمد بركات الذي يطمح لقيادة "الفريق البترولي" لمنصات التتويج، ومدرسة عماد النحاس الذي يسعى لإعادة الأمجاد "لنسور بورسعيد". كانت التوقعات تشير إلى مباراة دفاعية حذرة، لكن رغبة المصري في فرض سيطرته كانت واضحة منذ اللحظات الأولى التي وطأت فيها أقدام اللاعبين العشب الأخضر.
الشوط الأول: ركلة جزاء تكسر حاجز الصمت
بدأت المباراة بصراع شرس في وسط الملعب، حيث حاول لاعبو إنبي إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب المصري. استمر السجال التكتيكي طويلاً، وتبادل الفريقان الهجمات دون خطورة حقيقية حتى اقتربت الدقيقة الأربعين. وفي لحظة من الارتباك الدفاعي داخل منطقة جزاء إنبي، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح المصري. انبرى لها النجم منذر تيمين، وفي الدقيقة 39، سددها بإتقان معلناً عن الهدف الأول، لتشتعل مدرجات السويس فرحاً. وقبل أن يلفظ الشوط الأول أنفاسه، وتحديداً في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، نال محمد مخلوف بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، لينتهي الشوط بتقدم بورسعيدي مستحق.
الشوط الثاني: إعصار بورسعيدي وتبديلات اضطرارية
دخل المصري الشوط الثاني برغبة عارمة في قتل المباراة، ولم ينتظر طويلاً لتحقيق ذلك. ففي الدقيقة 53، ومن عمل جماعي رائع، قدم صاحب الهدف الأول منذر تيمين تمريرة حاسمة لزميله حسن علي، الذي لم يتوانَ في إيداع الكرة الشباك، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. هذا الهدف أجبر محمد بركات على التدخل سريعاً، فأجرى تبديلات بالجملة في الدقيقة 64، حيث دفع بالنجم كهربا، وأحمد إسماعيل، وسيد سعيد، بدلاً من أحمد العجوز ومحمد شريف حتحوت وأحمد صبيحة، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لم يقف عماد النحاس مكتوف الأيدي، بل رد بتبديل تكتيكي في الدقيقة 65 بدخول محمود حمادة بدلاً من أحمد القرموطي لضبط إيقاع الوسط. ومع زيادة حدة التوتر، بدأت البطاقات الملونة تظهر مجدداً، حيث نال أقطاي عبدالله من إنبي إنذاراً في الدقيقة 66، وتبعه كريم العراقي من المصري في الدقيقة 73.
الدقائق الأخيرة: رصاصة الرحمة وتأكيد الجدارة
في الدقيقة 79، شهدت المباراة "ماراثون" من التبديلات من الطرفين؛ حيث دفع النحاس بالثلاثي كريم بامبو، عمر الساعي، وصلاح محسن، لضمان استمرار الضغط واستغلال المساحات في دفاعات إنبي المندفعة للأمام. وفي المقابل، حاول بركات تنشيط هجومه بإشراك علي إيهاب. وفيما كان الجميع ينتظر صافرة النهاية، وفي الدقيقة 92 من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، نجح البديلان في صناعة الحدث؛ حيث أرسل كريم بامبو تمريرة سحرية لزميله عمر الساعي، الذي وضع رصاصة الرحمة في شباك إنبي، مسجلاً الهدف الثالث ومنهياً أحلام الفريق البترولي تماماً.
التحليل الفني: دهاء النحاس وإصرار النسور
كانت المباراة درساً في كيفية إدارة النهائيات. المصري البورسعيدي لم يكتفِ بالدفاع بعد الهدف الأول، بل استغل الاندفاع الهجومي لإنبي ليضربهم بالمرتدات القاتلة. إحصائيات المباراة تعكس سيطرة المصري، ليس فقط في النتيجة، بل في الفعالية الهجومية والقدرة على استغلال الفرص. التبديلات التي أجراها عماد النحاس كانت "كلمة السر"، حيث ساهم البدلاء بشكل مباشر في الهدف الثالث، مما يؤكد القراءة المتميزة للمدرب لمجريات اللعب. في المقابل، عانى إنبي من غياب اللمسة الأخيرة رغم محاولات "كهربا" وزملائه لاختراق الحصون الخضراء.
الخاتمة: الكأس تعود إلى بورسعيد
مع إطلاق الحكم محمد التابعي الغازي صافرة النهاية في الدقيقة 94، بدأت احتفالات هستيرية للاعبي المصري وجهازهم الفني. هذا الفوز العريض بثلاثية نظيفة لم يكن مجرد انتصار في مباراة، بل هو إعلان عن عودة المصري البورسعيدي لمنصات التتويج بطلاً لنسخة مميزة من كأس عاصمة مصر. إنبي، رغم خسارته، قدم بطولة محترمة، لكنه اصطدم في النهائي بفريق كان أكثر تنظيماً وإصراراً على العودة بالكأس إلى مدينة الباسلة. ليلة السويس ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق الأخضر، كواحدة من أجمل الليالي التي شهدت تتويجاً مستحقاً وعرضاً كروياً ممتعاً.


