ملحمة "بي بي في إيه": أسود الأطلس يروضون الطواحين في ليلة مونديالية خالدة
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي مونديال 2026، وتحت أضواء ملعب بي بي في إيه التي عانقت سماء المكسيك، حبست أنفاس الملايين وهي تتابع فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم تكن مجرد مباراة في دور الـ 32، بل كانت صراعاً بين كبرياء الكرة الأوروبية المتمثل في "الطواحين" الهولندية، وطموح "أسود الأطلس" الذي لا يعرف الحدود. في مواجهةٍ درامية امتدت حتى الرمق الأخير، نجح المنتخب المغربي في انتزاع بطاقة التأهل بركلات الترجيح بنتيجة (3-2) بعد تعادل إيجابي (1-1) في الوقتين الأصلي والإضافي، ليعلن للعالم أن شمس العرب والأفارقة لا تغيب في المحافل الكبرى.
أجواء ما قبل المعركة: صخب في المدرجات وحذر على العشب
منذ الساعات الأولى التي سبقت صافرة الحكم البرازيلي ويلتون بيريرا سامبيو، كانت الأجواء تشير إلى انفجار كروي وشيك. اكتست مدرجات الملعب باللونين البرتقالي والأحمر في لوحة فنية مبهرة، وأهازيج الجماهير المغربية كانت تزلزل المكان، مما منح اللقاء طابعاً احتفالياً مهيباً. التوقعات كانت متباينة؛ رونالد كومان دخل اللقاء بخبرته العريضة وتاريخ هولندا العريق، بينما راهن الشاب محمد وهبي على الروح القتالية والانضباط التكتيكي لكتيبته المغربية. كان الهواء مشبعاً بالتوتر، والجميع يدرك أن غلطة واحدة قد تعني حزم الحقائب والعودة إلى الديار.
الشوط الأول: صراع السيطرة وتكسير العظام
انطلقت المباراة بإيقاع هادئ مشوب بالحذر، حيث حاول المنتخب المغربي فرض أسلوبه من خلال الاستحواذ على الكرة، وهو ما نجح فيه بامتياز إذ وصلت نسبة استحواذه إلى 70% طوال اللقاء. كانت التمريرات المغربية القصيرة تنساب بسلاسة في وسط الميدان، لكن الدفاع الهولندي بقيادة فان دايك وزملائه كان يقف كحائط صد منيع. في المقابل، اعتمدت هولندا على الهجمات المرتدة السريعة والكرات الطولية، محاولةً استغلال سرعة مهاجميها. الشوط الأول كان عبارة عن شطرنج تكتيكي بامتياز، حيث لم تشهد الدقائق الأولى فرصاً محققة للتسجيل، بل التحامات بدنية قوية أظهرت رغبة كل طرف في فرض سيطرته، لينتهي الشوط الأول كما بدأ، سلبياً في النتيجة، لكنه كان غنياً بالوعود لشوط ثانٍ أكثر إثارة.
الشوط الثاني: حين اشتعلت الأنفاس في الدقائق المجنونة
مع بداية الشوط الثاني، ارتفعت حدة التوتر، وتلقى المدافع المغربي عيسى ديوب بطاقة صفراء في الدقيقة 47 نتيجة تدخل قوي، وهي البطاقة التي كانت بمثابة إنذار مبكر لما سيأتي. استمر السجال حتى قرر كومان إجراء تغييرات هجومية في الدقيقة 71 بدخول "العملاق" ووات ويجهوريست وتيون كوبمينيرس. ولم تكد تمر دقيقة واحدة حتى اهتزت الشباك؛ ففي الدقيقة 72، ومن عرضية متقنة من كريسينسيو سامرفيل، ارتقى القناص كودي جاكبو فوق الجميع ليودع الكرة الشباك ببراعة، معلناً تقدم هولندا بالهدف الأول.
لم يستسلم المدرب محمد وهبي، بل رمى بكل أوراقه الهجومية، حيث دفع بـ سفيان رحيمي وأيوب الكعبي وشمس الدين طالبي لإنعاش الخط الأمامي. وبينما كان الجميع يستعد لإطلاق صافرة النهاية وإعلان فوز هولندا، حدثت المعجزة في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع (90+1). ركلة ركنية نفذها البديل الناجح شمس الدين طالبي بدقة متناهية، ارتقى لها المدافع عيسى ديوب ليحولها برأسه في شباك الطواحين، مفجراً بركاناً من الفرح في المدرجات المغربية ومعيداً المباراة إلى نقطة الصفر.
الأشواط الإضافية وركلات المعاناة الترجيحية
دخل الفريقان الأشواط الإضافية والإرهاق قد نال من الأجساد، لكن القلوب كانت لا تزال تنبض بالأمل. أجرى كومان تبديلات اضطرارية وتكتيكية بخروج فرينكي دي يونج ودخول مارتن دي رون لضبط الإيقاع، ثم دخول جوستين كلويفيرت بدلاً من صاحب الهدف جاكبو في الدقيقة 113. ورغم المحاولات الهولندية القليلة، إلا أن المنتخب المغربي ظل صامداً، معتمداً على دفاعه المنظم وحارس مرماه اليقظ. انتهت الـ 120 دقيقة، ليكون الاحتكام لـ ركلات الترجيح هو الفيصل.
في ركلات الترجيح، تجلت الدراما بأبهى صورها. وقف الحارسان وجهاً لوجه أمام التاريخ. نجح لاعبو المغرب في الحفاظ على هدوئهم، بينما خان التوفيق بعض لاعبي هولندا أمام الضغط الجماهيري الرهيب. وبنتيجة 3-2 في ركلات الترجيح، أطلق الحكم صافرته النهائية، معلناً عبور "أسود الأطلس" إلى دور الـ 16 في ليلة ستبقى محفورة في أذهان كل من عشق المستديرة.
التحليل الفني: كيف غلب الطموح الخبرة؟
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن المنتخب المغربي قدم مباراة "مثالية" من حيث الاستحواذ، حيث مرر لاعبوه 878 تمريرة بدقة وصلت إلى 91%، مما حرم الهولنديين من الكرة لفترات طويلة. ورغم أن هولندا كانت أكثر فاعلية في الكرات العالية بفوزها بـ 15 صراعاً هوائياً، إلا أن التبديلات التي أجراها محمد وهبي كانت هي "كلمة السر"؛ فالبديل شمس الدين طالبي هو من صنع هدف التعادل القاتل، بينما أعطى دخول رحيمي والكعبي حيوية مفقودة للخط الأمامي. في المقابل، عانت هولندا من قلة الحلول الهجومية حينما كانت الكرة في حوزتها، واكتفت بـ 6 تسديدات فقط طوال المباراة مقابل 11 للمغرب.
الخاتمة: زئير يتردد في أرجاء المونديال
إن هذا الفوز ليس مجرد عبور لدور إقصائي، بل هو تأكيد على أن المنتخب المغربي بات رقماً صعباً في المعادلة العالمية. لقد أثبت "أسود الأطلس" أن الروح القتالية والتركيز حتى الثانية الأخيرة يمكنهما قهر أعرق المدارس الكروية. هولندا تخرج بمرارة بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التأهل، بينما يواصل المغرب رحلته الحالمة في مونديال 2026، حاملاً معه آمال قارة بأكملها وطموحات لا سقف لها. ليلة "بي بي في إيه" ستظل شاهدة على أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء فوق الميدان، وأن الزئير المغربي لا يزال يملك الكثير ليقوله في الأدوار القادمة.
