زئير "الأزتيكا" يزلزل الأرض.. المكسيك تطيح بالإكوادور وتعبر إلى ثمن النهائي ببراعة
تحت أضواء ستاد "أزتيكا" التاريخي في مكسيكو سيتي، وبحضور جماهيري غفير صبغ المدرجات باللون الأخضر، عشنا ليلة مونديالية لا تُنسى في دور الـ32 من كأس العالم 2026. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت ملحمة وطنية خاضها المنتخب المكسيكي أمام نظيره الإكوادوري، وانتهت بفوز مستحق لـ "التري" بنتيجة 2-0، في ليلة تجلى فيها الدهاء التكتيكي للمدرب المخضرم خافيير آجيرى، الذي عرف كيف يروض طموح "نسور" الإكوادور بقيادة مدربهم سيباستيان بيكاتشسي.
أجواء ما قبل الصدام.. بركان ينتظر الانفجار
منذ الساعات الأولى التي سبقت صافرة الحكم السلوفيني سلافكو فينسيس، كانت الأجواء في مكسيكو سيتي تشي بموقعة كبرى. الجماهير المكسيكية التي ملأت جنبات الملعب كانت تؤمن بأن هذه النسخة من المونديال هي فرصتهم الذهبية للذهاب بعيداً. في المقابل، دخل المنتخب الإكوادوري المباراة وهو يدرك صعوبة المهمة أمام صاحب الأرض، لكنه كان متسلحاً بصلابة دفاعية وسرعات هجومية هددت المكسيكيين في التوقعات الفنية قبل اللقاء. كانت الضغوط هائلة، والتوتر ملموساً في الممرات المؤدية إلى العشب الأخضر، حيث كان الجميع يترقب من سيفرض كلمته في هذا الصراع اللاتيني الخالص.
الشوط الأول.. إعصار مكسيكي يحسم الأمور مبكراً
بدأت المباراة بإيقاع سريع وحذر متبادل، لكن المنتخب المكسيكي لم يمهل ضيوفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم. وفي الدقيقة 22، انفجر الملعب فرحاً حينما أرسل روبيرتو ألفارادو تمريرة حاسمة متقنة، استقبلها القناص خوليان كينيونس ببراعة ليودعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل الحماس في المدرجات. هذا الهدف لم يكن مجرد تقدم رقمي، بل كان ضربة معنوية قاصمة لخطط بيكاتشسي.
ولم تكد تمر تسع دقائق فقط، حتى عاد المكسيكيون لضرب الدفاع الإكوادوري مرة أخرى بأسلوب سينمائي. هذه المرة لعب مسجل الهدف الأول، خوليان كينيونس، دور صانع الألعاب، حيث قدم كرة على طبق من ذهب للمخضرم راؤول خيمينيز في الدقيقة 31، والذي لم يتوانَ عن إسكانها المرمى، ليعزز تقدم بلاده بالهدف الثاني وسط ذهول لاعبي الإكوادور. حاول الضيوف العودة قبل نهاية الشوط، لكن التوتر سيطر على أدائهم، مما أدى لحصول آلان فرانكو على بطاقة صفراء في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، لينتهي الشوط الأول بسيطرة مكسيكية مطلقة نتيجة وأداءً.
الشوط الثاني.. صراع تكتيكي ومحاولات إكوادورية يائسة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى مدرب الإكوادور تبديلين دفعة واحدة بخروج آلان فرانكو وجويل أوردونيز ودخول انجيلو بريسيادو ويايمار ميدينا، في محاولة يائسة لتنشيط الجبهات الهجومية. وبالفعل، سيطر المنتخب الإكوادوري على الكرة بنسبة استحواذ وصلت إلى 54%، لكن السيطرة كانت سلبية في أغلب فتراتها أمام جدار دفاعي مكسيكي صلب. المكسيك، رغم تراجع استحواذها إلى 46%، كانت الأكثر خطورة بفضل الهجمات المرتدة، حيث سدد لاعبوها 14 تسديدة إجمالية مقابل 3 تسديدات فقط للإكوادور طوال المباراة.
شهدت الدقيقة 59 خروج النجم انر فالينسيا ودخول كيفين رودريجز، لكن دفاع المكسيك بقيادة آجيرى كان بالمرصاد لكل المحاولات. وفي الدقيقة 73، قرر آجيرى إراحة نجومه، فسحب راؤول خيمينيز ولويس رومو ليدفع بـ سانتياجو خيمينيز وأوبيد فارغاس، مما منح الفريق نفساً جديداً في وسط الملعب والخط الأمامي، وأبقى الضغط بعيداً عن مناطقهم الدفاعية.
الدقائق الأخيرة.. دراما البطاقات الملونة والانهيار الإكوادوري
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتحديداً في الدقائق العشر المضافة كوقت بدل ضائع، تحولت أرض الملعب إلى ساحة من التوتر الشديد. المنتخب الإكوادوري، الذي عجز عن هز الشباك المكسيكية (حيث لم يسجلوا سوى تسديدة واحدة فقط على المرمى طوال 100 دقيقة)، بدأ يفقد أعصابه. تلقى الشاب كيندري بايز بطاقة صفراء في الدقيقة 90+3، قبل أن تتلقى آمال الإكوادور ضربة قاضية بطرد المدافع بيرو إنكابيه بالبطاقة الحمراء المباشرة في الدقيقة 90+5.
ولم تتوقف المتاعب عند هذا الحد، إذ حصل مويسيس كايسيدو على بطاقة صفراء في الدقيقة 90+9، وسط صافرات استهجان من الجماهير المكسيكية التي بدأت تحتفل بالفعل بالتأهل. صافرة الحكم سلافكو فينسيس النهائية كانت بمثابة إعلان رسمي عن عبور المكسيك، وتأكيد على تفوقهم التام في هذه الليلة، حيث نجحوا في إتمام 216 تمريرة ناجحة بنسبة دقة بلغت 82.76%، مما يعكس الانضباط العالي للفريق.
التحليل الختامي.. المكسيك نحو الحلم الكبير
أثبتت التبديلات التي أجراها خافيير آجيرى، خاصة دخول أوربلين بينيدا وازرائيل رييس في الدقيقة 80 بدلاً من نجمي اللقاء كينيونس وألفارادو، أن المنتخب المكسيكي يمتلك دكة بدلاء قوية قادرة على تسيير المباريات الكبرى. المكسيك لم تكتفِ بالفوز، بل قدمت عرضاً دفاعياً قوياً تمثل في 7 تشتيتات ناجحة للكرة، ومنعت الإكوادور من استغلال الركنيات الست التي حصلوا عليها.
بهذه النتيجة، يواصل المنتخب المكسيكي مسيرته المظفرة في المونديال، محققاً فوزه الثالث توالياً في البطولة، مما يرفع سقف الطموحات إلى عنان السماء. أما الإكوادور، فتغادر البطولة بمرارة، بعد أن اصطدمت بطموح "أحفاد الأزتيك" الذين استغلوا عاملي الأرض والجمهور على أكمل وجه. المكسيك الآن في دور الـ16، والرسالة واضحة للجميع: "التري" لا يرحم على أرضه، والطريق إلى اللقب يمر حتماً عبر جحيم الأزتيكا.

