ملحمة تورونتو: البرتغال تقتنص العبور من أنياب كرواتيا في ليلة درامية
لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت فصلاً من فصول الروايات الإغريقية التي لا تُحسم إلا في الأنفاس الأخيرة، حيث حبست الجماهير أنفاسها في ملعب "بي ام او فيلد" حتى الدقيقة الثالثة عشرة بعد التسعين. في ليلة كندية باردة ضمن دور الـ32 من كأس العالم 2026، نجح المنتخب البرتغالي في حجز تذكرة العبور إلى الدور القادم بفوز قيصري على نظيره الكرواتي بنتيجة 2-1، في مباراة شهدت كل تقلبات كرة القدم الممكنة، من أهداف متأخرة إلى تدخلات تقنية الفيديو التي غيرت مجرى التاريخ في لحظة.
هدوء ما قبل العاصفة في بي ام او فيلد
دخل المنتخبان أرض الملعب وسط أجواء صاخبة، حيث تلونت المدرجات بالأحمر البرتغالي والمربعات الكرواتية الشهيرة. كانت التوقعات تشير إلى معركة تكتيكية كبرى بين روبيرتو مارتينيز وزلاتكو داليتش، وهو ما حدث بالفعل. بدأت المباراة بحذر شديد، حيث حاول كل طرف فرض سيطرته على منطقة العمليات. البرتغال، بقيادة الأسطورة كريستيانو رونالدو، اعتمدت على الاستحواذ الذي وصل في مراحل معينة إلى 65%، بينما كانت كرواتيا تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عبر تمريرات لوكا مودريتش المتقنة.
الشوط الأول اتسم بالندية البدنية العالية، مما أجبر الحكم إيسبين إيسكاس على التدخل مبكراً لإحكام سيطرته، فأشهر البطاقة الصفراء في وجه المدافع البرتغالي روبن دياس في الدقيقة 17 بعد تدخل قوي لتعطيل هجمة كرواتية واعدة. ورغم المحاولات البرتغالية المتكررة، إلا أن الدفاع الكرواتي المنظم حال دون وصول الكرة إلى شباك الحارس، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، وسط شعور عام بأن الإثارة الحقيقية لا تزال كامنة في جعبة الشوط الثاني.
بيريسيتش يشعل اللقاء وزلزال التبديلات البرتغالي
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى داليتش تبديلاً بدخول إيجور ماتانوفيتش بدلاً من أنتي بوديمير لتنشيط الهجوم، ولم تمر سوى ثماني دقائق حتى انفجر الملعب فرحاً للجانب الكرواتي. في الدقيقة 53، ومن عمل جماعي رائع، أرسل جوسيب ستانيشيتش تمريرة دقيقة استقبلها المخضرم إيفان بيريسيتش ببراعة ليسكنها الشباك البرتغالية، معلناً تقدم كرواتيا بهدف دون رد. هذا الهدف بعثر أوراق مارتينيز، الذي وجد نفسه مطالباً برد فعل سريع قبل فوات الأوان.
في الدقيقة 62، شهدنا لحظة نادرة في كرة القدم العالمية، حيث قرر روبيرتو مارتينيز إجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة في مغامرة تكتيكية كبرى. غادر كل من بيدرو نيتو، فيتينها، برونو فيرنانديز، وجواو كانسيلو، ليحل محلهم فرانسيسكو كونسيساو، برناردو سيلفا، نيلسون سيميدو، وجونسالو راموس. كان الهدف واضحاً: تغيير إيقاع اللعب وضخ دماء جديدة قادرة على اختراق الحصون الكرواتية.
رونالدو يعيد الأمل والدراما تبلغ ذروتها
لم يتأخر مفعول التبديلات كثيراً، ففي الدقيقة 65 تدخلت تقنية الفيديو "VAR" لمراجعة لقطة مثيرة داخل منطقة الجزاء الكرواتية، ليسفر القرار عن ركلة جزاء للبرتغال. انبرى لها القائد كريستيانو رونالدو في الدقيقة 68، وبكل ثبات وهدوء، وضع الكرة في المرمى معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. اشتعلت المباراة أكثر، وتلقى لوكا مودريتش بطاقة صفراء في الدقيقة 60 نتيجة الاحتجاج والضغط، بينما استمر السجال بين الفريقين مع أفضلية برتغالية في الاستحواذ الذي ترجموه بـ 459 تمريرة ناجحة طوال اللقاء.
في الدقيقة 81، قرر مارتينيز سحب رونالدو وإشراك روبن نيفيس لتأمين وسط الملعب، في خطوة بدت وكأنها تحضير للأوقات الإضافية. لكن القدر كان يخبئ سيناريو أكثر إثارة. ومع دخول المباراة في دقائقها الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (90+4)، انطلق رفائيل لياو بكرة سريعة على الرواق، وأرسل عرضية متقنة انقض عليها البديل جونسالو راموس برأسه، مفجراً بركان الغضب البرتغالي في المدرجات بهدف قاتل جعل النتيجة 2-1.
VAR يكتب كلمة النهاية الحزينة لكرواتيا
لم تنتهِ القصة عند هذا الحد، ففي الدقيقة الثالثة عشرة من الوقت المحتسب بدل الضائع (90+13)، وفي مشهد درامي لا يتكرر كثيراً، ظن المدافع الكرواتي يوشكو جفارديول أنه أنقذ بلاده بهدف التعادل القاتل. انطلقت الاحتفالات الكرواتية الجنونية، لكن الحكم إيسبين إيسكاس أوقف كل شيء بانتظار إشارة غرفة "VAR". وبعد مراجعة دقيقة، تم إلغاء الهدف بداعي التسلل، ليسقط لاعبو كرواتيا على الأرض في حالة من الذهول والحسرة، بينما أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز البرتغال وتأهلها الشاق.
تميزت المباراة بإحصائيات عكست التفوق البرتغالي الطفيف، حيث سدد رفاق رونالدو 14 كرة منها 3 بين القشبات الثلاث، بينما سدد الكروات 12 كرة كانت 6 منها على المرمى، مما يوضح القيمة الكبيرة للتصديات الدفاعية. كما شهدت الدقائق الأخيرة توتراً كبيراً أدى لحصول إيفان بيريسيتش على بطاقة صفراء في الدقيقة 90+8، وسط محاولات يائسة من كرواتيا للعودة.
خاتمة: عبور البرتغال وانكسار الكبرياء الكرواتي
بهذا الانتصار، تؤكد البرتغال أنها تمتلك النفس الطويل والعمق في التشكيلة الذي يسمح لها بالعودة حتى في أصعب الظروف، حيث كانت تبديلات مارتينيز هي المفتاح السحري لفك شفرة الدفاع الكرواتي. أما كرواتيا، فقد غادرت البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي، لكنها اصطدمت بواقعية برتغالية وقرارات تقنية حاسمة. البرتغال تمضي قدماً في حلم المونديال، بينما تترك كرواتيا خلفها ذكريات ليلة كانت فيها قاب قوسين أو أدنى من قلب الطاولة، ليبقى هدف جونسالو راموس وتدخل الـ VAR هما العنوان الأبرز لهذه الملحمة الكروية.

