زئير كين ينقذ الأسود: إنجلترا تقلب الطاولة على فهد الكونغو في ليلة أتلانتا المثيرة
تحت أضواء ملعب مرسيدس-بنز المذهلة في مدينة أتلانتا، وبحضور جماهيري غفير حبس الأنفاس حتى الرمق الأخير، عاش عشاق الساحرة المستديرة ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة في دور الـ32 من كأس العالم 2026، بل كانت اختباراً حقيقياً لإرادة الكبار أمام طموح القارة السمراء الجامح. في ليلة شهدت تقلبات درامية، نجح المنتخب الإنجليزي في عبور فخ منتخب جمهورية الكونغو الديموقراطية بنتيجة 2-1، بفضل ثنائية القائد التاريخي هاري كين، الذي رفض أن تنتهي رحلة "الأسود الثلاثة" مبكراً في العرس العالمي.
صدمة "الفهود" المبكرة وبرودة الأعصاب الإنجليزية
لم يكد الحكم الأردني أدهم مخادمة يطلق صافرة البداية، حتى بدت نوايا المدرب الفرنسي "سيباستيان ديسابر" واضحة في مباغتة الإنجليز. وفي الدقيقة السابعة فقط، وبينما كان رفاق ديكلان رايس يحاولون فرض سيطرتهم المعتادة، شنت الكونغو هجمة مرتدة منظمة ضربت عمق الدفاع الإنجليزي، لتصل الكرة إلى بريان سيبينجا الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، معلناً عن هدف التقدم الصاعق وسط ذهول المدرب توماس توخيل وجماهير إنجلترا التي لم تتوقع هذا السيناريو الافتتاحي.
هذا الهدف المبكر أشعل فتيل المباراة مبكراً، وزاد من توتر الأعصاب في المعسكر الإنجليزي. وبدا ذلك واضحاً عندما أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه النجم جود بيلينجهام في الدقيقة 19 نتيجة تدخل اتسم بالعصبية. حاول الإنجليز العودة، واستحوذوا على الكرة بنسبة وصلت إلى 61%، إلا أن التنظيم الدفاعي لمنتخب الكونغو كان سداً منيعاً. وقبل نهاية الشوط الأول بدقيقتين، نال نوح جونيور صديقي إنذاراً لإيقاف زحف الهجمات الإنجليزية، لينتهي الشوط الأول بتقدم "الفهود" بهدف نظيف، وسط تساؤلات كبرى حول قدرة توخيل على فك الشفرة الكونغولية.
دهاء توخيل وورقة "جوردون" الرابحة
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل المنتخب الإنجليزي بضغط هائل، لكنه ظل يفتقد للمسة الأخيرة الحاسمة. وفي الدقيقة 61، اتخذ توخيل قراراً كان بمثابة نقطة التحول الكبرى في اللقاء؛ حيث أجرى تبديلاً مزدوجاً بخروج نوني مادويكي وماركوس راشفورد، ودخول بوكايو ساكا وأنتوني جوردون. لم يكن جوردون مجرد بديل، بل كان "المحرك" الذي أعاد الروح للجهة اليسرى، وبدأ في خلخلة الدفاعات التي قادها أرثر ماسواكو ببراعة حتى تلك اللحظة.
رد ديسابر بتبديل تنشيطي في الدقيقة 64 بدخول ميشاك إليا بدلاً من ناثانايل مبوكو، محاولاً الحفاظ على التقدم، لكن الإعصار الإنجليزي كان قد بدأ بالفعل. ومع دخول ايبريتشي ايز في الدقيقة 70 بدلاً من دجيد سبينس، تحول الملعب إلى ساحة ضغط متواصل من جانب واحد، حيث انهمرت العرضيات الإنجليزية التي بلغت 43 عرضية طوال المباراة، في محاولة لكسر الصمود الأفريقي.
خمس دقائق قلبت الموازين: كين يكتب التاريخ
في الدقيقة 75، وأخيراً، آتت تبديلات توخيل ثمارها؛ انطلق أنتوني جوردون ببراعة على الرواق، وأرسل تمريرة عرضية متقنة ارتقى لها القناص هاري كين ليضعها في الشباك معلناً التعادل. هذا الهدف لم يكن مجرد تعديل للنتيجة، بل كان بمثابة انهيار للسد النفسي الذي بناه لاعبو الكونغو. حاول ديسابر تدارك الموقف بتبديلات سريعة في الدقيقة 76 بإشراك تيو بونجوندا وإيدو كايمبى، لكن الزخم كان قد انتقل تماماً لجانب الإنجليز.
وبينما كانت المباراة تتجه نحو الأنفاس الأخيرة، وفي الدقيقة 86، تكرر المشهد ذاته وكأنه "كربون" للهدف الأول. تمريرة حاسمة أخرى من المتألق أنتوني جوردون، وتمركز مثالي من هاري كين الذي لم يخطئ المرمى، ليسجل الهدف الثاني له ولفريقه، مفجراً بركاناً من الفرح في مدرجات مشجعي إنجلترا. لقد كانت لحظة تجلى فيها ذكاء كين في استغلال أنصاف الفرص، مؤكداً قيمته كأحد أفضل المهاجمين في تاريخ المونديال.
التحليل الفني: إحصائيات تترجم الهيمنة
رغم الصمود البطولي للكونغو، إلا أن لغة الأرقام كانت تنحاز لرجال توماس توخيل. فقد أتم المنتخب الإنجليزي 446 تمريرة ناجحة بنسبة دقة بلغت 91.58%، مما يعكس السيطرة التكتيكية والقدرة على تدوير الكرة تحت الضغط. وفي المقابل، اعتمدت الكونغو على الدفاع المستميت، حيث قام لاعبوها بـ 24 عملية تشتيت للكرة، لكن الضغط المتواصل بـ 15 تسديدة إنجليزية (7 منها على المرمى) كان كفيلاً بكسر هذا الصمود في النهاية.
التبديلات كانت هي "كلمة السر" في هذا اللقاء؛ فدخول جوردون لم يمنح إنجلترا السرعة فحسب، بل منحها "العقل" الذي صنع هدفي الفوز. وفي الدقائق الأخيرة، أمن توخيل دفاعاته بإشراك جون ستونز بدلاً من ديكلان رايس في الدقيقة 91، ليغلق كل المنافذ أمام أي محاولة عودة كونغولية يائسة، خاصة بعد دخول فيستون مايلي ويوريس كايمبي في الدقيقة 89.
الخاتمة: عبور صعب وطموح يتجدد
بصافرة أدهم مخادمة النهائية، تنفس الإنجليز الصعداء بعد مباراة كانت بمثابة "عنق الزجاجة". هذا الفوز الصعب بنتيجة 2-1 يمنح إنجلترا تذكرة العبور إلى الدور ثمن النهائي، لكنه يرسل في الوقت ذاته إنذاراً لتوماس توخيل بضرورة معالجة الهفوات الدفاعية المبكرة. أما منتخب جمهورية الكونغو الديموقراطية، فقد غادر البطولة برأس مرفوعة، بعد أن أحرج وصيف بطل أوروبا وأثبت أن المسافات في عالم كرة القدم قد تلاشت، وأن "الفهود" كانوا قاب قوسين أو أدنى من كتابة كبرى مفاجآت المونديال.

