ريمونتادا بلجيكية قاتلة تطيح بأسود التيرانجا من مونديال 2026
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي كرة القدم، وتحت أضواء ملعب لومن فيلد المتلألئة، شهد العالم واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ نهائيات كأس العالم 2026. لم تكن مجرد مباراة في دور الـ32، بل كانت ملحمة كروية جسدت معنى الإصرار والعودة من بعيد، حيث قلب المنتخب البلجيكي تأخره بهدفين نظيفين إلى فوز درامي بنتيجة 3-2 على حساب "أسود التيرانجا" المنتخب السنغالي، في مواجهة حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني.
زئير السنغال يُربك حسابات "الشياطين الحمر"
انطلقت صافرة الحكم هيكتور سعيد مارتينيز سورتو لتعلن بداية الصدام، ومعها بدأت الجماهير السنغالية في قرع طبولها التي هزت أركان الملعب. كان المنتخب السنغالي، تحت قيادة المدرب بابي ثياو، الأكثر جرأة وتنظيماً في البداية. وفي الدقيقة 25، انفجر الملعب فرحاً عندما نجح الشاب حبيب ديارا في هز شباك البلجيكيين، معلناً عن تقدم مستحق للسنغال. حاول رفاق كيفين دي بروين استعادة التوازن، لكن الصلابة الدفاعية الأفريقية كانت بالمرصاد، لينتهي الشوط الأول بتقدم السنغال بهدف نظيف وسط حيرة واضحة على وجه المدرب البلجيكي رودي جارسيا.
تعميق الجراح البلجيكية وبداية التغيير
مع بداية الشوط الثاني، دفع جارسيا بورقته الرابحة روميلو لوكاكو بدلاً من شارل دي كيتيلاري، في محاولة لضخ دماء جديدة في خط الهجوم. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن البلجيكية، ففي الدقيقة 51، ومن تمريرة حاسمة من موسى نياكاتى، انقض إسماعيلا سار على الكرة ليسكنها الشباك، معززاً تقدم السنغال بهدف ثانٍ صدم الجميع. في تلك اللحظة، ظن الكثيرون أن رحلة بلجيكا في المونديال قد انتهت، خاصة مع خروج القائد دي بروين في الدقيقة 56 وسط تبديلات تكتيكية مكثفة شملت دخول نيكولاس راسكين ودودى ليكباكيو.
استمر الضغط السنغالي، وتوترت الأجواء مما أدى لحصول براندون ميشيل من بلجيكا على بطاقة صفراء في الدقيقة 64، تبعها إنذار للاعب السنغالي لامين كامارا في الدقيقة 67. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، بدا أن السنغال في طريقها لتحقيق مفاجأة مدوية، لكن كرة القدم دائماً ما تخبئ أسرارها للدقائق الأخيرة.
جنون الدقائق الأخيرة: لوكاكو وتيليمانس يعيدان الأمل
في الدقيقة 78، أجرى رودي جارسيا تبديلاً بدا عادياً لكنه كان مفتاح العودة، بدخول توماس مونييه. ومع حلول الدقيقة 86، بدأت المعجزة؛ حيث أرسل مونييه عرضية متقنة ارتقى لها القناص روميلو لوكاكو ليقلص الفارق إلى 2-1. لم يكد المنتخب السنغالي يستفيق من صدمة الهدف الأول، حتى صعقه يوري تيليمانس بهدف التعادل القاتل في الدقيقة 89 بصناعة من ليوناردو تروسارد. في غضون ثلاث دقائق فقط، تحول الملعب إلى مرجل يغلي، وضاعت أحلام السنغال في حسم المباراة في وقتها الأصلي، ليلجأ الفريقان إلى الأشواط الإضافية.
دراما الوقت الإضافي وركلة الجزاء الحاسمة
دخل الفريقان الأشواط الإضافية وسط إرهاق بدني واضح، وأجرى بابي ثياو عدة تبديلات لإعادة الحيوية لفريقه، فدفع بنيكولاس جاكسون ومالك ضيوف بدلاً من ساديو ماني وإسماعيل جاكوبس. ظلت النتيجة تشير إلى التعادل حتى الدقيقة 119، حين تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتعلن عن وجود ركلة جزاء لصالح بلجيكا في وقت قاتل. انبرى للمهمة الرجل الذي لا يعرف الخوف، يوري تيليمانس، وفي الدقيقة 120+5، سدد الكرة بهدوء وثقة في الشباك، معلناً عن الهدف الثالث لبلجيكا وهدفه الشخصي الثاني، لتنطلق احتفالات جنونية لم تشهدها الملاعب منذ زمن.
تحليل تكتيكي: كيف فاز "الشياطين"؟
رغم أن الإحصائيات أظهرت تقارباً كبيراً، حيث بلغت نسبة استحواذ بلجيكا 53% مقابل 47% للسنغال، إلا أن الفاعلية الهجومية في الدقائق الأخيرة كانت الفيصل. سدد لاعبو بلجيكا 18 تسديدة منها 4 على المرمى، بينما سدد لاعبو السنغال 13 تسديدة. كان لتبديلات رودي جارسيا أثر السحر، فدخول لوكاكو منح العمق الهجومي، وتمريرة مونييه الحاسمة كانت نقطة التحول. في المقابل، تراجع المنتخب السنغالي دفاعياً بشكل مبالغ فيه في الدقائق العشر الأخيرة من الوقت الأصلي، مما سمح للبلجيكيين بفرض سيطرتهم المطلقة.
الخاتمة: بلجيكا تعبر بـ "شخصية البطل"
بهذا الفوز الملحمي، أكدت بلجيكا أنها تمتلك "شخصية البطل" التي تمكنها من العودة من أصعب الظروف. تأهل "الشياطين الحمر" إلى الدور القادم بجدارة بعد مباراة ستبقى خالدة في أذهان عشاق المستديرة، بينما غادر المنتخب السنغالي البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي كان ينقصه فقط الصمود لثوانٍ إضافية. لقد كانت ليلة تجلت فيها كل معاني الدراما الكروية، حيث لا تنتهي المباراة إلا مع صافرة الحكم الأخيرة، وحيث يبتسم الحظ دائماً لمن يؤمن بحظوظه حتى الرمق الأخير.

