زئير الأطلس يزلزل "إن أر جي": المغرب يكتب التاريخ ويقصي كندا من مونديال 2026
تحت أضواء ملعب "إن أر جي ستاديوم" المبهرة، وفي ليلة من ليالي المونديال التي لا تُنسى، سطر المنتخب المغربي فصلاً جديداً من فصول المجد العربي والأفريقي. في مواجهة حبست الأنفاس ضمن دور الـ16 من كأس العالم 2026، نجح "أسود الأطلس" في ترويض طموح المنتخب الكندي بثلاثية نظيفة، معلنين تأهلهم بجدارة واستحقاق إلى الدور ربع النهائي، في مباراة كانت أشبه بلوحة فنية رسمها أبناء المدرب محمد وهبي ببراعة تكتيكية نادرة.
أجواء مشحونة وترقب في هيوستن
لم تكن المباراة مجرد مواجهة في كرة القدم، بل كانت صراعاً بين مدرستين مختلفتين؛ كندا بقيادة خيسي مارش التي تعتمد على القوة البدنية والسرعة، والمغرب الذي يمزج بين الانضباط التكتيكي والمهارة الفردية العالية. امتلأت جنبات الملعب بجماهير غفيرة، حيث طغى اللون الأحمر المغربي على المدرجات، وتعالت الأهازيج التي هزت أركان الاستاد قبل صافرة البداية. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، لكن الميدان كان له رأي آخر، حيث دخل الأسود وعينهم على مواصلة رحلة الحلم المونديالي.
الشوط الأول: معركة تكسير العظام وصراع البطاقات
أطلق الحكم الإنجليزي الشهير مايكل أوليفير صافرته، لتبدأ معركة بدنية طاحنة منذ الدقائق الأولى. اتسم الشوط الأول بالندية المفرطة والحذر الدفاعي، حيث حاول كل طرف فرض سيطرته على منطقة وسط الملعب. في الدقيقة 20، تلقى المغربي رضوان هلهل بطاقة صفراء مبكرة، أنذرت بصعوبة اللقاء. ولم تمر سوى دقيقتين حتى اضطر المدرب محمد وهبي لإجراء تبديل اضطراري بدخول النجم سفيان رحيمي بدلاً من اسماعيل صيباري في الدقيقة 22، وهو التبديل الذي سيكون له مفعول السحر لاحقاً.
مع مرور الوقت، زاد التوتر داخل المستطيل الأخضر، مما أجبر الحكم أوليفير على إشهار البطاقة الصفراء تلو الأخرى لتهدئة الأجواء المشحونة. نال أشرف حكيمي إنذاراً في الدقيقة 40، وتبعه مباشرة الكندي ريتشي لاريا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت التحذيرات لتشمل جوناتان دافيد من الجانب الكندي، وعز الدين اوناحي وبلال الخنوس من الجانب المغربي قبل نهاية الشوط الأول. ورغم غياب الأهداف في هذا الشوط، إلا أن المغرب كان الأكثر استحواذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 62%، محاولاً اختراق الحصون الكندية التي صمدت حتى صافرة الاستراحة.
الشوط الثاني: انفجار مغربي وإبداع "أوناحي"
دخل المنتخب المغربي الشوط الثاني بروح مغايرة تماماً، وكأنهم عادوا من غرف الملابس بكلمات سرية فكت شفرات الدفاع الكندي. في الدقيقة 50، ومن هجمة منظمة قادها الظهير الطائر أشرف حكيمي، أرسل عرضية متقنة وجدت المهندس عز الدين اوناحي الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي فجر بركان الفرح في المدرجات المغربية.
حاول المنتخب الكندي الرد، وأجرى خيسي مارش تبديلات هجومية بدخول كايل لارين، لكن الانضباط الدفاعي المغربي كان سداً منيعاً. ومع استمرار الضغط المغربي والتحكم التام في ريتم اللقاء بفضل دقة التمرير التي بلغت 86.96%، عاد عز الدين اوناحي ليؤكد نجوميته المطلقة في الدقيقة 82، حيث استغل تمريرة حريرية من النجم إبراهيم دياز ليسكنها الشباك محرزاً هدفه الشخصي الثاني وهدف الاطمئنان لمنتخبه.
رصاصة الرحمة والختام المسك
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر صافرة النهاية، أبت كتيبة الأسود إلا أن تضع بصمة أخيرة تليق بمستواهم المبهر. في الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع (90+8)، ومن هجمة مرتدة سريعة قادها المتألق إبراهيم دياز، مرر كرة ذهبية للمهاجم سفيان رحيمي الذي وضعها ببراعة في المرمى الكندي، مختتماً ثلاثية تاريخية أطاحت بآمال "الخشب الأحمر" وأكدت علو كعب الكرة المغربية.
التحليل التكتيكي: عبقرية التغيير والسيطرة المطلقة
لعبت التبديلات دوراً محورياً في حسم هذه الملحمة؛ فدخول سفيان رحيمي مبكراً منح المغرب نفساً هجومياً طويلاً، كما أن إشراك سفيان أمرابط وشمس الدين طالبي في الدقيقة 63 أعاد التوازن لوسط الميدان ومنع كندا من بناء أي هجمات خطيرة. إحصائياً، كان التفوق المغربي كاسحاً، فبالرغم من أن كندا سددت 7 كرات، إلا أن المغرب كان أكثر فاعلية، حيث سجل 3 أهداف من 3 تسديدات فقط على المرمى، مما يعكس النجاعة الهجومية الكبيرة.
دفاعياً، نجح المغرب في تشتيت الكرة 28 مرة مقابل 8 مرات فقط لكندا، مما يظهر حجم الضغط الذي تعامل معه المدافعون المغاربة بهدوء وثبات. كما أن السيطرة على الكرة وحرمان الخصم منها كانت المفتاح الأساسي، حيث مرر لاعبو المغرب 414 تمريرة ناجحة، مما أصاب اللاعبين الكنديين بالإحباط، وهو ما انعكس على عدد الأخطاء التي ارتكبوها (19 خطأ ضد كندا مقابل 7 فقط ضد المغرب).
الخاتمة: الحلم مستمر والأسود لا يمزحون
بهذا الفوز العريض، يثبت المنتخب المغربي أن إنجاز مونديال قطر لم يكن محض صدفة، بل هو نتاج عمل وتخطيط وانتماء. تأهل المغرب إلى ربع نهائي مونديال 2026 هو رسالة قوية لكل المنافسين بأن "أسود الأطلس" جاؤوا للمنافسة على اللقب لا لمجرد المشاركة. غادرت كندا البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي، لكنها اصطدمت بجدار مغربي صلب وبراعة فنية لم تجد لها حلاً. الليلة، تنام الرباط والدار البيضاء وكل المدن المغربية والعربية على إيقاع الفرح، بانتظار ملحمة جديدة في الدور المقبل.
