إعصار الجنوب يكتسح ستراسبورغ: ليلة تألق فيها غويري في سماء "فيلودروم"
لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت سيمفونية كروية عزفتها أقدام لاعبي مارسيليا على أنغام أهازيج جماهيرهم الوفية في قلب ملعب "فيلودروم" العريق. في ليلة من ليالي الدوري الفرنسي لموسم 26/27، استعرض "فريق الجنوب" عضلاته الفنية وتفوقه التكتيكي، ليدك شباك ضيفه ستراسبورغ برباعية نظيفة، مرسلاً رسالة شديدة اللهجة لجميع المنافسين بأن مارسيليا هذا الموسم لا يرضى بغير القمة بديلاً.
أجواء صاخبة وترقب في معقل الجنوب
قبل انطلاق صافرة الحكم رودي بوكييه، كانت الأجواء في "فيلودروم" تشي بليلة استثنائية؛ فاللونان الأبيض والسماوي غطيا المدرجات، وهتافات الجماهير لم تتوقف للحظة، مما خلق ضغطاً رهيباً على لاعبي ستراسبورغ منذ اللحظات الأولى لعمليات الإحماء. دخل المدرب برونو جينيسيو اللقاء وعينه على النقاط الثلاث لتعزيز صدارته، بينما كان هوجو أوليفير، مدرب ستراسبورغ، يدرك تماماً أن الخروج بنقطة التعادل من هذا الملعب يعد بمثابة انتصار، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهيه سفن الضيوف.
الشوط الأول: صمود تحت وطأة الضغط
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث فرض مارسيليا سيطرته المطلقة على وسط الميدان، معتمداً على تدوير الكرة بدقة وصلت إلى 278 تمريرة ناجحة، وبنسبة استحواذ بلغت 64%. حاول لاعبو مارسيليا اختراق الحصون الدفاعية لستراسبورغ عبر الأطراف والعمق، إلا أن الضيوف استبسلوا في الذود عن مرماهم خلال الدقائق الخمس والأربعين الأولى. ورغم المحاولات المتكررة من أمين جويري ورفاقه، إلا أن الشوط الأول انتهى سلبياً، وسط ترقب مشوب بالحذر من الجماهير التي كانت تنتظر الانفجار التهديفي بفارغ الصبر.
بداية الانفجار ومنعرج المباراة الخطير
ما إن أطلق الحكم صافرة بداية الشوط الثاني، حتى كشر مارسيليا عن أنيابه. في الدقيقة 46، ومن هجمة منظمة غاية في الروعة، أرسل أنخيل جوميز تمريرة حاسمة وضعت أمين جويري في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير بهدوء الكبار في الشباك، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً بركان الفرح في المدرجات. هذا الهدف أربك حسابات ستراسبورغ تماماً، وبدأ التوتر يظهر على لاعبيهم، حيث تلقى سامويل أمو أميو بطاقة صفراء في الدقيقة 47 نتيجة تدخل عنيف.
نقطة التحول الكبرى في المباراة جاءت عند الدقيقة 59، حين أشهر الحكم رودي بوكييه البطاقة الحمراء المباشرة في وجه لاعب ستراسبورغ سمير لمرابط، ليترك فريقه يصارع الأمواج بـ 10 لاعبين فقط. هذا النقص العددي فتح ثغرات واسعة في دفاعات الضيوف، وحاول سيكو مارا التدخل لإيقاف زحف مارسيليا لكنه لم يحصد سوى بطاقة صفراء في الدقيقة 61.
جويري يضرب من جديد والانهيار التام للضيوف
استغل مارسيليا النقص العددي بذكاء شديد، وواصل ضغطه المستمر حتى حصل على ركلة جزاء في الدقيقة 68. انبرى لها المتخصص أمين جويري، الذي سددها بقوة وإتقان داخل المرمى، محرزاً هدفه الشخصي الثاني ومعززاً تقدم فريقه. حاول مدرب ستراسبورغ تدارك الموقف بإجراء ثلاثة تبديلات دفعة واحدة في الدقيقة 70، حيث دفع بكل من اورتيجا كاندى، بابا كولي، وجيو رينا بدلاً من سيكو مارا وديوجو سوسا وسامويل أمو أميو، لكن التفوق المارسيلي كان قد فرض كلمته العليا.
لم يكتفِ مارسيليا بالهدفين، بل واصل المد الهجومي الذي أسفر عن تسجيل هدفين إضافيين لتكتمل الرباعية (4-0)، وسط استسلام تام من جانب لاعبي ستراسبورغ الذين لم يستطيعوا مجاراة الإيقاع العالي لأصحاب الأرض. الإحصائيات كانت تعكس السيطرة المطلقة؛ حيث سدد مارسيليا 9 كرات منها 3 على المرمى، بينما اكتفى ستراسبورغ بـ 4 تسديدات خجولة طوال المباراة.
تبديلات تكتيكية لإحكام السيطرة
في الربع الأخير من المباراة، بدأ برونو جينيسيو في إجراء تغييرات لإراحة نجومه ومنح الفرصة للعناصر البديلة؛ فدخل المدافع المغربي نايف أكرد في الدقيقة 75 بدلاً من مات أورايلي، ورغم حصول أكرد على بطاقة صفراء في الدقيقة 79، إلا أنه أضفى صلابة دفاعية منعت أي محاولة لتقليص الفارق. كما شهدت الدقائق الأخيرة دخول توتشوكوو نينادي وديريك كورنيليوس ونيال موباي، مما حافظ على حيوية الفريق حتى الصافرة النهائية.
خاتمة: مارسيليا يغرد وحيداً في الصدارة
بهذا الانتصار العريض والمستحق، رفع مارسيليا رصيده إلى 3 نقاط في مستهل مشواره، متصدراً جدول الترتيب بفارق أهداف مريح (+4)، ومؤكداً أن "الفيلودروم" سيبقى حصناً منيعاً لا يُقهر. أما ستراسبورغ، فعليه مراجعة أوراقه سريعاً بعد هذه الخسارة القاسية التي وضعت الفريق في المركز الثامن عشر. لقد كانت ليلة "مارسيلية" بامتياز، برهن فيها الفريق على نضجه التكتيكي وقدرته على استغلال أنصاف الفرص، ليخرج جمهوره فخوراً بفريق يملك كل المقومات للمنافسة على اللقب الغالي.

