إعصار الحزم يجتاح عرين أبها.. قصة ليلة صاخبة في دوري روشن
تحت أضواء استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية، وفي قلب المرتفعات الأبهاوية التي تعانق السحاب، لم تكن مواجهة أبها والحزم مجرد مباراة في جدول دوري روشن السعودي، بل كانت ملحمة كروية جسدت صراع الإرادات بين طموح صاحب الأرض ورغبة الضيف في العودة بالنقاط الثلاث. وفي ليلة شهدت تقلبات دراماتيكية، نجح "حزم الصمود" في ترويض "زعيم الجنوب" بنتيجة 2-1، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة الجماهير كنموذج للنجاعة الهجومية مقابل الاستحواذ السلبي.
البداية الصاعقة.. عندما يصمت المدرج
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم شكري الحنفوش، كانت التوقعات تشير إلى معركة تكتيكية معقدة بين مدرسة "دامير بوريتش" المنضبطة وذكاء "جلال قادري" التكتيكي. ومع إطلاق صافرة البداية، لم يمنح الحزم خصمه فرصة لترتيب أوراقه؛ ففي الدقيقة الثالثة فقط، وبينما كان الجمهور يستعد لمتابعة جس النبض، انطلق أحمد الشمراني ببراعة على الرواق، مرسلاً تمريرة حاسمة وضعت عبد العزيز الضويحي في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك بدم بارد، معلناً عن الهدف الأول الذي نزل كالصاعقة على مدرجات أبها.
هذا الهدف المبكر غيّر ملامح المباراة تماماً، حيث اضطر أبها للخروج من مناطقه الدفاعية بحثاً عن التعادل، بينما تراجع الحزم بذكاء ليعتمد على المرتدات السريعة. وشهدت الدقيقة 27 أولى البطاقات الملونة، حيث نال محمد أمين بن حميدة بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي لتعطيل هجمة أبهاوية واعدة، مما عكس حجم التوتر والندية في وسط الميدان.
لدغة الشمراني وإحكام القبضة
بينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن أبها يقترب من التعديل، ظهر النجم سفيان بن دبكه ليصنع الفارق بتمريرة سحرية في الدقيقة 40، وجدت المتألق أحمد الشمراني الذي لم يتوانَ في هز الشباك للمرة الثانية. هذا الهدف كان بمثابة "ضربة قاضية" معنوية قبل الاستراحة، رغم أن بن دبكه نفسه نال بطاقة صفراء في الدقيقة 45 نتيجة الحماس الزائد، لينتهي الشوط الأول بتفوق حزماوي صريح تكتيكياً ونتيجةً.
انتفاضة الجنوب ومغامرة بوريتش
دخل أبها الشوط الثاني بروح مغايرة، مدفوعاً بتعليمات "بوريتش" الذي طالب لاعبيه بمزيد من الجرأة. وفي الدقيقة 55، تلقى فراس الغامدي بطاقة صفراء زادت من الضغوط على أصحاب الأرض، مما دفع المدرب لإجراء تغييرات مزدوجة في الدقيقة 57 بدخول كشيم القحطاني وباسل السيالي بدلاً من ماجد دوران وفراس الغامدي. هذه التغييرات أعطت حيوية لخط الوسط، خاصة مع استمرار الحزم في نهجه الدفاعي الذي كلف ابو بكر باه بطاقة صفراء في الدقيقة 59.
الإصرار الأبهاوي آتى ثماره في الدقيقة 64، عندما نجح محمد الدوسري في تقليص الفارق بهدف رائع أشعل حماس الجماهير وأعاد الأمل لفرسان الجنوب. وفي محاولة لقلب الطاولة تماماً، دفع بوريتش بورقته الرابحة نبيل فقير في الدقيقة 65 بدلاً من ناصر الدعجاني، ليتحول الملعب إلى ساحة ضغط متواصل من جانب أبها الذي وصلت نسبة استحواذه إلى 63%.
صمود الحزم وتكسر الأمواج الأبهاوية
أدرك جلال قادري أن فريقه يرزح تحت ضغط هائل، فقام بسلسلة تبديلات في الدقيقة 75 لضخ دماء جديدة، حيث أشرك محمد الحمداني ومحمد عيسى اليامي. وفي المقابل، استمر التوتر البدني، حيث تلقى مدافع أبها لورينتز روزير بطاقة صفراء في الدقيقة 76. ولم يتوقف بوريتش عن المحاولة، فأجرى تبديلات هجومية إضافية بدخول كاميل بومدمد وعبد الباسط هندي في الدقائق الأخيرة، لكن دفاع الحزم كان كالسد المنيع أمام كل المحاولات.
تميزت الدقائق العشر الأخيرة بصراع بدني عنيف، حيث استهلك الحزم الوقت بذكاء من خلال تبديلات تكتيكية، كان أبرزها دخول ايمن الحجيلي وسلطان تنكر، ثم دخول وليد الشنقيطي في الوقت بدل الضائع (90+2) لتأمين النتيجة. ورغم احتساب الحكم لـ 5 دقائق وقت بدل ضائع، إلا أن النتيجة ظلت صامدة لصالح الضيوف.
تحليل تكتيكي: الفعالية تهزم الاستحواذ
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد مفارقة عجيبة؛ فقد سدد أبها 10 تسديدات منها 6 على المرمى، واستحوذ على الكرة بنسبة كبيرة، وقام بـ 28 عرضية، إلا أن الحزم كان أكثر فتكاً؛ فمن أصل 3 تسديدات فقط على المرمى، سجل هدفين. تفوق أبها في دقة التمرير التي بلغت 95% لم يشفع له أمام تكتل الحزم الدفاعي الذي أجبر أصحاب الأرض على اللعب العرضي دون اختراق العمق بفعالية.
خاتمة: الحزم يحلق وأبها يراجع حساباته
مع صافرة النهاية، احتفل لاعبو الحزم بنقاط غالية رفعت رصيدهم إلى 3 نقاط في صدارة مؤقتة للترتيب، مؤكدين أن "الواقعية" هي مفتاح النجاح في دوري روشن. أما أبها، فرغم الأداء القوي في الشوط الثاني والسيطرة الميدانية، إلا أن الأخطاء الدفاعية المبكرة كلفته الكثير، ليجد نفسه في المركز الثامن عشر في بداية الموسم، مما يضع المدرب بوريتش أمام مسؤولية كبيرة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان. لقد كانت ليلة كروية بامتياز، أثبتت أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يهز الشباك، مهما طال أمد الاستحواذ.


