نيوم يطوع المستحيل في ليلة عاصفة بتبوك: انتصار ثمين بعشرة لاعبين أمام الفيحاء
في ليلة لم تكن كغيرها من ليالي دوري روشن السعودي، احتضن استاد مدينة الملك خالد الرياضية بتبوك ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير. لم تكن مجرد مباراة عادية في جدول الدوري، بل كانت اختباراً حقيقياً للإرادة والقوة التكتيكية بين طموح "نيوم" الصاعد وخبرة "الفيحاء" المتمرس. وبصافرة الحكم علي القحطاني، انطلقت الحكاية التي انتهت بفوز مثير لنيوم بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في لقاء شهد تقلبات دراماتيكية جعلت الجماهير تعيش مزيجاً من الفرح والتوتر.
أجواء ما قبل العاصفة: تبوك تكتسي بحلة التحدي
قبل انطلاق المباراة، كانت الأجواء في مدرجات تبوك تشي بحدث استثنائي. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تمني النفس برؤية نجومها العالميين وهم يسطرون فصلاً جديداً من النجاح تحت قيادة المدرب الفرنسي المحنك كريستوف جالتييه. في المقابل، دخل الفيحاء اللقاء بقيادة فابيو كاريلى وعينه على النقاط الثلاث للهروب من المناطق المتأخرة، مما أضفى صبغة من الجدية والحدة على عمليات الإحماء. التوقعات كانت تصب في مصلحة أصحاب الأرض نظراً لأسماء النجوم المتواجدة، لكن كرة القدم دائماً ما تخبئ أسرارها خلف صافرة البداية.
الشوط الأول: إعصار "نيوم" يضرب بقوة
بدأ نيوم المباراة بفرض سيطرة مطلقة على وسط الميدان، معتمداً على تحركات سعيد بن رحمة الذي كان بمثابة المحرك النفاث في الرواق الأيسر. وفي الدقيقة السادسة والعشرين، ترجم نيوم أفضليته إلى هدف أول أشعل المدرجات؛ حيث أرسل بن رحمة عرضية متقنة ارتقى لها القناص أمادو كوني ليضعها في الشباك معلناً تقدم أصحاب الأرض. لم يكتفِ رجال جالتييه بهذا الهدف، بل واصلوا الضغط مستغلين ارتباك دفاعات الفيحاء التي اضطر مدربها لإجراء تبديل مبكر بخروج جاسون ودخول نواف الحارثي في الدقيقة 33 لمحاولة استعادة التوازن.
وبينما كان الفيحاء يحاول التقاط أنفاسه، ظهر النجم الفرنسي ألكسندر لاكازيت بلمحة فنية رائعة في الدقيقة السادسة والثلاثين، حيث قدم تمريرة حاسمة وضعت سعيد بن رحمة في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة داخل الشباك مسجلاً الهدف الثاني. انتهى الشوط الأول بسيطرة تامة لنيوم وصلت فيها نسبة الاستحواذ إلى 61%، وسط عجز واضح من الضيوف عن مجاراة الإيقاع السريع للمباراة.
الشوط الثاني: دراما البطاقة الحمراء وعودة الأمل
دخل الفريقان الشوط الثاني بسيناريو مغاير تماماً. في الدقيقة الستين، قرر جالتييه إراحة نجمه بن رحمة ودفع بمهند آل سعد، لكن بعد دقيقتين فقط، تلقى نيوم ضربة موجعة كادت أن تقلب الطاولة؛ حيث أشهر الحكم علي القحطاني البطاقة الحمراء في وجه اللاعب علاء الحجي في الدقيقة 62. هذا الطرد غير موازين القوى تماماً، فبدأ الفيحاء يرمي بكل ثقله الهجومي، وأجرى كاريلى تبديلات هجومية بدخول لازارو وريان المطيري.
الضغط الفيحاوي أسفر أخيراً عن هدف تقليص الفارق في الدقيقة الخامسة والسبعين، بعد مجهود فردي من البديل نواف الحارثي الذي مرر كرة ذهبية إلى هوجو مورا، ليودعها الأخير المرمى وسط صمت مؤقت في مدرجات تبوك. توترت الأعصاب بعدها، وتلقى سيلفير جانفولو بطاقة صفراء في الدقيقة 76 نتيجة الاحتكاكات القوية، وأصبحت المباراة تسير فوق صفيح ساخن، حيث تراجع نيوم كلياً للدفاع عن مكتسباته التاريخية.
التحليل التكتيكي: حنكة جالتييه في إدارة النقص
أظهر كريستوف جالتييه مرونة تكتيكية عالية بعد حالة الطرد؛ ففي الدقيقة 81، ضحى بمهاجمه لاكازيت وظهيره محمد البريك ليدفع بـ خليفة الدوسري ومهند أبو طه، بهدف إغلاق المساحات وتأمين العمق الدفاعي. هذه التبديلات كانت حاسمة في امتصاص حماس لاعبي الفيحاء الذين سددوا 3 كرات فقط طوال المباراة، واحدة منها فقط كانت على المرمى. في المقابل، أظهرت الإحصائيات دقة تمرير عالية لنيوم بلغت 89.9%، مما ساعدهم على الاحتفاظ بالكرة وقتل الوقت في اللحظات الحرجة. ومع دخول فيصل الغامدي وهارون كامارا في الدقائق الأخيرة، استطاع نيوم تأمين مناطقه بنجاح حتى أطلق الحكم صافرة النهاية.
الخاتمة: نيوم يحلق في سماء الكبار
بهذا الانتصار المستحق، رفع نيوم رصيده إلى نقاط ثمينة وضعته في المركز الثالث في ترتيب دوري روشن، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة المنافسة هذا الموسم. لقد كانت مباراة أثبتت أن الروح القتالية قادرة على قهر النقص العددي، وأن التخطيط السليم يتفوق دائماً على العشوائية. أما الفيحاء، فقد تجرع مرارة الخسارة ليبقى في المركز السادس عشر، بانتظار تصحيح المسار في الجولات القادمة. لقد غادرت الجماهير الملعب وهي تتغنى بروح لاعبيها، في ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق النادي بتبوك كواحدة من أجمل ملاحم الإصرار والتحدي.


