إعصار "العالمي" يجتاح العاصمة: النصر يغرد خارج السرب برباعية في شباك الرياض
في ليلة من ليالي العاصمة التي تزينت بألوان النصر، وتحت أضواء استاد مدينة الأمير فيصل بن فهد الرياضية، شهد عشاق كرة القدم السعودية فصلاً جديداً من فصول هيمنة "العالمي" في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت استعراضاً للقوة، ورسالة واضحة من كتيبة المدرب أنج بوستيكوجلو بأن الصدارة ليست مجرد رقم، بل هي مكانهم الطبيعي. برباعية نظيفة، مزق النصر شباك مضيفه نادي الرياض، في مواجهة أدراها الحكم عبدالله العويدان، ليعزز النصر موقعه في قمة الهرم الكروي السعودي برصيد ست نقاط كاملة من جولتين.
أجواء ما قبل العاصفة: طموح الرياض في مواجهة كبرياء النصر
قبل صافرة البداية، كانت الأجواء في الملعب مشحونة بالترقب. جماهير الرياض، "مدرسة الوسطى"، كانت تأمل في إحداث مفاجأة تعيد للفريق توازنه، بينما زحفت جماهير الشمس لتملأ المدرجات صخباً ودعماً. المدرب ماوريسيو دولاك دخل اللقاء بخطة دفاعية لمحاولة احتواء المد الهجومي النصراوي، لكن التوقعات كانت تصب في مصلحة الضيوف الذين دخلوا المباراة بتركيز عالٍ ورغبة جامحة في حسم الأمور مبكراً. كانت ملامح الثقة تظهر على وجوه لاعبي النصر منذ الإحماء، وكأنهم يدركون أن العودة بالنقاط الثلاث هي الخيار الوحيد المتاح.
الشوط الأول: لدغات مدروسة تكسر الصمود
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث فرض النصر أسلوبه المعتاد من خلال الاستحواذ على الكرة وتدويرها في وسط الملعب. وفي الدقيقة الثامنة عشرة، ومن هجمة منظمة قادها الموهوب أنجيلو، أرسل تمريرة حاسمة متقنة ارتقى لها المدافع المتقدم عبدالإله العمري، ليضعها برأسية قوية في الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي فك شفرات دفاع الرياض. هذا الهدف لم يهدئ من روع النصراويين، بل زادهم نهمًا، حيث واصلوا الضغط وسيطروا على مجريات اللعب بنسبة استحواذ بلغت 61%.
وبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول، وفي الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، عاد المتألق أنجيلو ليخطف الأضواء مجدداً، ولكن هذه المرة ليس كصانع ألعاب، بل كهداف بارع. استغل أنجيلو هفوة دفاعية ليودع الكرة في المرمى، مسجلاً الهدف الثاني الذي نزل كالصاعقة على لاعبي الرياض، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح للنصر وثقة مهتزة لأصحاب الأرض الذين لم ينجحوا في تسديد أي كرة على المرمى طوال هذا الشوط.
الشوط الثاني: "العالمي" يواصل العزف والأسطورة يضع بصمته
دخل الرياض الشوط الثاني محاولاً تقليص الفارق، لكن التكتيك العالي الذي طبقه بوستيكوجلو أحبط كل المحاولات. وفي الدقيقة الثامنة والخمسين، ومن جملة تكتيكية رائعة، وصلت الكرة إلى النجم البرتغالي جواو فيليكس الذي لم يتوانَ في وضعها داخل المرمى، محرزاً الهدف الثالث ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال الرياض في العودة. بعد هذا الهدف، بدأ المدربان في إجراء التغييرات؛ فدفع دولاك بكل من عصام بحري وشيخ مباك فال بدلاً من سليمان هزازي وتيدي ليا اوكو في الدقيقة 62 لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن اللحظة التي انتظرها الجميع كانت في الدقيقة الثانية والستين، حينما قرر بوستيكوجلو إقحام الأسطورة كريستيانو رونالدو بدلاً من عبدالله الحمدان. دخول رونالدو ألهب حماس المدرجات وأعطى زخماً هجومياً إضافياً. النصر لم يكتفِ بالثلاثة، بل واصل البحث عن المزيد وسط استسلام تام من دفاعات الرياض التي عجزت عن مجاراة السرعة والمهارة. وفي الدقيقة الثالثة والثمانين، ومن تمريرة سحرية من البديل ايمن يحيى، استلم كريستيانو رونالدو الكرة وبلمسة الكبار أسكنها الشباك، محرزاً الهدف الرابع ومختتماً مهرجان الأهداف.
رؤية فنية: كيف صاغ بوستيكوجلو تفوق النصر؟
كانت المباراة درساً في التوازن التكتيكي. النصر لم يكتفِ بالتسجيل، بل سيطر على كامل مفاصل اللقاء، حيث أتم لاعبو النصر 242 تمريرة ناجحة بدقة وصلت إلى 85.82%، مما جعل مهمة الرياض في قطع الكرات شبه مستحيلة. التبديلات التي أجراها بوستيكوجلو كانت مدروسة للغاية، حيث أشرك علي الحسن ونادر الشراري وايمن يحيى في الدقيقة 75 لضمان الحيوية في وسط الملعب والدفاع، وهو ما أثمر سريعاً عن صناعة الهدف الرابع بواسطة يحيى.
في المقابل، عانى نادي الرياض من عقم هجومي واضح، حيث لم يسدد الفريق سوى كرة واحدة طوال التسعين دقيقة، ولم تكن حتى بين القائمين والعارضة. إحصائيات المباراة تعكس الفارق الشاسع؛ 13 تسديدة للنصر مقابل تسديدة يتيمة للرياض، و9 ركلات ركنية للضيوف مقابل ركنتين فقط لأصحاب الأرض. كانت الغلبة تامة لوسط ميدان النصر الذي عطل كل مفاتيح لعب الرياض، مما جعل الحارس النصراوي في نزهة حقيقية طوال المباراة.
الخاتمة: النصر في القمة والرياض في دوامة البحث عن الذات
بهذا الانتصار العريض، أكد النصر أنه يسير بخطى ثابتة نحو استعادة اللقب، متصدراً جدول الترتيب بالعلامة الكاملة وبفارق أهداف مريح (7 أهداف له ولم يستقبل أي هدف). الرباعية التي استقرت في شباك الرياض لم تكن مجرد نتيجة رقمية، بل هي انعكاس لمنظومة عمل متكاملة يقودها بوستيكوجلو ببراعة. أما نادي الرياض، فيجد نفسه في موقف لا يحسد عليه في قاع الترتيب، مما يستوجب على المدرب ماوريسيو دولاك مراجعة حساباته سريعاً قبل فوات الأوان. انتهت الملحمة في "الملز"، لكن أصداءها ستتردد طويلاً في أروقة الدوري السعودي، معلنة أن النصر جاء هذا الموسم ليزلزل الأرض تحت أقدام منافسيه.


