زئير النمور في معقل فارس الشرقية: الاتحاد يقتنص فوزاً ثميناً من أنياب القادسية
تحت أضواء استاد الأمير محمد بن فهد بالدمام، وفي ليلة حبست أنفاس عشاق الكرة السعودية، رسم لاعبو القادسية والاتحاد لوحة كروية امتدت فصولها لتسعين دقيقة من الإثارة والتشويق ضمن منافسات دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت صراعاً بين طموح "فارس الشرقية" العائد بقوة، وخبرة "العميد" الباحث عن استعادة هيبته، وانتهت بفوز اتحادي صعب بهدف نظيف، جعل مدرجات الذهب تشتعل فرحاً في قلب الشرقية.
أجواء ما قبل الموقعة: صراع العقول على العشب الأخضر
بدأت الأجواء مشحونة بالحماس قبل صافرة البداية؛ فالمدرجات التي اكتست باللونين الأحمر والأصفر من جهة، والأسود والمقلم بالأصفر من جهة أخرى، كانت توحي بملحمة كروية كبرى. دخل المدرب الإنجليزي بريندان رودجرز اللقاء وعينه على النقاط الثلاث مستغلاً عاملي الأرض والجمهور، بينما وضع الألماني ينس ويسينغ تكتيكاً صارماً يهدف إلى امتصاص حماس أصحاب الأرض والانقضاض في اللحظات الحاسمة. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، وهو ما تجسد فعلياً في تقارب المستوى الفني منذ الدقائق الأولى.
الشوط الأول: تقلبات درامية وهدف في الوقت القاتل
انطلقت المباراة بصافرة الحكم البرازيلي ويلتون بيريرا سامبيو، وبدأ القادسية بضغط هجومي مكثف، محاولاً مباغتة ضيفه. وفي الدقيقة 24، انفجر الملعب فرحاً حينما نجح خوليان كينيونس في هز الشباك الاتحادية بعد تمريرة متقنة من زميله ماتيو ريتيجوي، لكن الفرحة لم تدم طويلاً؛ إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف بداعي وجود خطأ، مما أعاد المباراة لنقطة الصفر وبث الروح مجدداً في صفوف الاتحاد.
استمر السجال في وسط الميدان، وظهر التوتر جلياً في التدخلات البدنية، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الاتحاد ديون لوبى في الدقيقة 40. وبينما كان الجميع يستعد للذهاب إلى غرف الملابس بالتعادل السلبي، فاجأ الاتحاد الجميع بهجمة مرسومة في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع (45+1)؛ حيث مرر ستيفن بيرغوين كرة حريرية للمهاجم الشاب جورج إلينخينا الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى، معلناً تقدم النمور. وفي ذات اللحظة، تلقى لاعب القادسية محمد أبو الشامات إنذاراً نتيجة الاحتجاج، لينتهي الشوط الأول بتقدم اتحادي وسط ذهول قدساوي.
الشوط الثاني: النقص العددي واختبار الصمود
مع بداية الشوط الثاني، أجرى ويسينغ تبديلاً بدخول أحمد الغامدي بدلاً من راكان الكعبي لتأمين المناطق الدفاعية، لكن الرياح هبت بما لا تشتهي السفن الاتحادية؛ ففي الدقيقة 47، تلقى ديون لوبى البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليغادر الملعب ويترك فريقه يواجه إعصار القادسية بعشرة لاعبين فقط. هذا المنعطف حول المباراة إلى هجوم كاسح من جانب القادسية ودفاع مستميت من الاتحاد.
حاول بريندان رودجرز استغلال التفوق العددي، فأجرى سلسلة من التبديلات الهجومية، فدفع بـ تيجاني ريندرس بدلاً من أوتافيو، ثم أشرك محمد القحطاني وتركي العمار وعبدالله السالم في محاولة لاختراق الحصون الاتحادية. في المقابل، أظهر لاعبو الاتحاد روحاً قتالية عالية، حيث تراجع الفريق للخلف واعتمد على المرتدات، وقام المدرب بسحب الهداف إلينخينا وبيرغوين لإشراك مروان الصحفي ومختار علي لضخ دماء جديدة في خط الوسط الدفاعي.
التحليل التكتيكي: كيف صمدت النمور؟
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن القادسية فرض سيطرته على الكرة بنسبة استحواذ بلغت 56%، ومرر لاعبوه 259 تمريرة بدقة وصلت إلى 88%، مقابل 206 تمريرة للاتحاد. ورغم محاولات القادسية التي بلغت 7 تسديدات، إلا أن الدفاع الاتحادي بقيادة حسن كادش ومن خلفه الحارس اليقظ، حال دون وصول الكرة للشباك. الاتحاد لعب بذكاء كبير بعد الطرد، حيث أغلق المساحات تماماً واعتمد على تضييق الخناق في الثلث الأخير، مما جعل استحواذ القادسية سلبياً في أغلب الفترات.
كانت تبديلات الاتحاد في الدقائق الأخيرة، بدخول احمد الجليدان ومحمد برناوي، بمثابة رصاصة الرحمة على آمال القادسية في العودة، حيث استهلك الاتحاد الوقت بذكاء ونجح في تشتيت الكرات العرضية التي بلغت 11 عرضية للقادسية، مقابل 4 فقط للاتحاد. القيادة التحكيمية لسامبيو كانت حازمة، حيث سيطر على انفعالات اللاعبين في ظل الضغط الجماهيري الكبير.
الخاتمة: الاتحاد يعود بماركة "الروح"
أطلقت الصافرة النهائية لتعلن فوزاً تاريخياً للاتحاد بعشرة لاعبين، فوزٌ رفع رصيد "العميد" إلى 4 نقاط ليقفز إلى المركز الرابع في جدول الترتيب، مؤكداً أنه رقم صعب في المنافسة مهما كانت الظروف. أما القادسية، فرغم الخسارة وتجميد رصيده عند 3 نقاط في المركز السادس، إلا أنه قدم مباراة تليق باسمه وطموحاته، وأثبت أنه يمتلك الأدوات اللازمة لمقارعة الكبار.
بهذه النتيجة، يغادر الاتحاد الدمام محملاً بنقاط ذهبية، بينما يضرب القادسية موعداً مع مراجعة الحسابات، خاصة في كيفية التعامل مع التكتلات الدفاعية واستغلال النقص العددي للمنافسين. لقد كانت ليلة كروية جسدت روعة دوري روشن، حيث لا مستحيل في عالم المستديرة، وحيث تظل الروح القتالية هي المفتاح الحقيقي للانتصار.


