ملحمة الرس.. الخلود يروض "ذئاب" التعاون في ليلة حبست الأنفاس
في ليلة كروية لم تعرف الهدوء، احتضن ملعب نادي الحزم بالرس واحدة من أكثر مباريات دوري روشن السعودي إثارة وتشويقاً، حيث نجح فريق الخلود في انتزاع فوز ثمين وتاريخي على ضيفه التعاون بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت قصة درامية كُتبت فصولها بعرق اللاعبين وصيحات الجماهير، وانتهت بصراع مرير في الدقائق الأخيرة كاد أن يقلب الطاولة رأساً على عقب، تحت صافرة الحكم محمد الهويش الذي أدار اللقاء وسط أجواء مشحونة بالندية.
إعصار الخلود يكتسح الشوط الأول
بدأت المباراة وسط توقعات متباينة، لكن الخلود، بقيادة مدربه ديس باكنجهام، دخل أرض الملعب برغبة جامحة في إثبات الذات. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى بدأت الماكينة الهجومية للخلود في العمل؛ ففي الدقيقة الحادية والعشرين، أرسل جون بوكلي تمريرة حاسمة وضعت زميله إدجارز اوتكوس في مواجهة الشباك، ليفتتح الأخير التسجيل ويشعل مدرجات الرس بفرحة عارمة. هذا الهدف لم يكن إلا البداية، إذ استمر الضغط المكثف على دفاعات التعاون التي بدت مهتزة أمام سرعة هجمات أصحاب الأرض.
في الدقيقة الثلاثين، ومن جملة تكتيكية رائعة، مرر كوبا دا كوستا كرة متقنة إلى إيكر كورتاخارينا، الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى معلناً عن الهدف الثاني للخلود. كانت الأجواء في الملعب تشير إلى انهيار تعاوني كامل، خاصة مع تزايد الأخطاء الدفاعية. وقبل نهاية الشوط الأول بخمس دقائق، احتسب الحكم ركلة جزاء للخلود، انبرى لها شاكيل بيناس، لكنه أهدرها وسط حسرة زملائه، وكأن القدر أراد أن يمنح التعاون فرصة للعودة. إلا أن بيناس رفض أن يخرج من الشوط الأول مكسور الخاطر، ففي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، عاد اللاعب نفسه ليسجل الهدف الثالث بعد تمريرة من المتألق إدجارز اوتكوس، ليدخل الخلود غرف الملابس متقدماً بثلاثية نظيفة صدمت عشاق "السكري".
انتفاضة "الساطر" وصمود الأرض
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك مدرب التعاون زاركو لازيتيش أن فريقه بحاجة إلى ثورة تكتيكية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى ثلاثة تبديلات دفعة واحدة بدخول باسم العريني، يونس البحراوي، ومحمد صالح العقل بدلاً من الكويكبي والرشيدي وبجرامي. هذه التغييرات ضخت دماءً جديدة في عروق التعاون، ولم يتأخر الرد كثيراً، ففي الدقيقة الثانية والخمسين، استغل القناص المغربي عبد الرزاق حمدالله تمريرة من البديل يونس البحراوي ليسجل هدف تقليص الفارق، معيداً الأمل لرفاقه.
بدأت المباراة تأخذ منحنى بدنياً عنيفاً، حيث حاول الخلود الحفاظ على تقدمه من خلال التراجع الدفاعي والاعتماد على المرتدات، بينما رمى التعاون بكل ثقله الهجومي. وفي الدقيقة الرابعة والسبعين، بدأت البطاقات الملونة في الظهور، حيث نال شاكيل بيناس بطاقة صفراء، تلاه زميله كوبا دا كوستا في الدقيقة السادسة والسبعين. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، بلغت الإثارة ذروتها؛ ففي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع، عاد "الساطر" عبد الرزاق حمدالله ليضرب مجدداً ويسجل الهدف الثاني للتعاون بعد تمريرة من مارين بلامينوف بيتكوف، لتصبح النتيجة 3-2 وتشتعل الدقائق الأخيرة بصورة لا توصف.
صراع الدقائق الأخيرة والتحليل التكتيكي
شهدت اللحظات الأخيرة من اللقاء توتراً كبيراً، حيث حاول لاعبو الخلود استهلاك الوقت وقتل ريتم المباراة، مما أدى لحصول ياسين الزبيدي وإيكر كورتاخارينا على بطاقات صفراء في الدقائق 92 و94. التبديلات التي أجراها باكنجهام بإشراك عبدالرحمن الدوسري ومحمد صوعان وياسين الزبيدي وعدي عبد الغني كانت تهدف بالأساس لتأمين المناطق الدفاعية وإغلاق المساحات أمام انتفاضة التعاون المتأخرة.
تكتيكياً، تفوق الخلود في الشوط الأول بفضل استغلال الأطراف والتحول السريع من الدفاع للهجوم، بينما عاب على التعاون البطء في التغطية الدفاعية خلال الساعة الأولى. إحصائيات المباراة تعكس تقارباً في الاستحواذ خلال الشوط الثاني، لكن فاعلية الخلود في الشوط الأول كانت هي القول الفصل. فوز الخلود رفعه إلى المركز السادس برصيد 4 نقاط من مباراتين، محققاً انتصاراً وتعادلاً، بينما تجمد رصيد التعاون عند نقطة واحدة في المركز الثاني عشر، بعد خسارة وتعادل، مما يضع المدرب لازيتيش أمام تساؤلات كبيرة حول المنظومة الدفاعية للفريق.
الخاتمة: فوز يعزز الطموح وانكسار يتطلب التصحيح
عندما أطلق محمد الهويش صافرة النهاية، سقط لاعبو الخلود على الأرض من شدة التعب والارتياح، فقد استطاعوا الصمود أمام إعصار حمدالله في اللحظات الأخيرة. هذا الانتصار يمثل دفعة معنوية هائلة للخلود في مسيرته بـ دوري روشن السعودي، حيث أثبت الفريق أنه قادر على مجاراة الكبار وهزيمتهم. أما التعاون، فعليه أن يراجع حساباته سريعاً، فبرغم الروح القتالية التي ظهرت في الشوط الثاني وسجلت هدفين، إلا أن الأخطاء الكارثية في الشوط الأول كلفت الفريق نقاط المباراة كاملة. لقد كانت ليلة في الرس لن تنساها الجماهير، ليلة أكدت أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يقتنص الفرص ويصمد حتى الرمق الأخير.


