ريمونتادا المستحيل في الدمام: النصر بعشرة لاعبين يقلب الطاولة على الاتفاق في ليلة درامية
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عادية في دوري روشن السعودي، بل كانت ملحمة سيناريوهات غير متوقعة، جسدت كل معاني الإثارة والتشويق التي تعشقها الجماهير. في ليلة غاب فيها المنطق وحضر فيها الإصرار، نجح نادي النصر في كتابة فصل جديد من فصول العودة التاريخية، محولاً تأخره بهدفين نظيفين ونقصاً عددياً مبكراً إلى انتصار مدوٍ بنتيجة 3-2 على مضيفه الاتفاق، وسط ذهول كل من حضر في جنبات الملعب.
ملعب إيجو.. مسرح الصدام المرتقب
تحت أضواء ملعب إيجو في مدينة الدمام، وبصافرة الحكم محمد الهويش، انطلقت المواجهة والآمال تعانق السماء. كانت الأجواء مشحونة بالترقب، فالاتفاق بقيادة مدربه أرثر باباس دخل اللقاء وعينه على النقاط الثلاث لتعزيز موقعه، بينما سعى النصر مع مدربه الخبير أنج بوستيكوجلو لمواصلة سلسلة انتصاراته. لم يكن أحد يتخيل أن الدقائق القادمة ستشهد تحولات دراماتيكية قد تغير مسار الموسم بأكمله.
الصدمة المبكرة: بطاقة حمراء وانهيار نصراوي
بدأت المباراة بإيقاع سريع، لكن الدقيقة 12 حملت خبراً كارثياً لعشاق "العالمي"؛ حيث أشهر الحكم محمد الهويش البطاقة الحمراء في وجه الحارس النصراوي بينتو، ليجد الضيوف أنفسهم بعشرة لاعبين منذ وقت مبكر جداً. اضطر بوستيكوجلو لإجراء تبديل تكتيكي سريع في الدقيقة 16، مضحياً بالموهوب أنجيلو ليدفع بالحارس البديل عبدالرحمن العتيبي لمحاولة رتق الثقب الذي تركه طرد بينتو.
استغل "فارس الدهناء" هذا النقص العددي بذكاء، وبسط سيطرته على مجريات اللعب مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 57%. وفي الدقيقة 31، انفجر الملعب فرحاً بهدف التقدم للاتفاق عبر اللاعب اوندراي دودا، الذي استغل ارتباك الدفاع النصراوي. لم يتوقف طوفان الاتفاق عند هذا الحد، فبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول، وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (45+4)، أرسل ياسر الشمري تمريرة حاسمة متقنة، استقبلها ألفارو ميدران ليودعها الشباك معلناً الهدف الثاني، وسط حسرة لاعبي النصر الذين بدت عليهم علامات الاستسلام.
خروج الأسطورة وبداية الانتفاضة
مع انطلاق الشوط الثاني، فاجأ المدرب بوستيكوجلو الجميع بقرار جريء، حيث قرر إخراج الأسطورة كريستيانو رونالدو ودفع باللاعب عبدالله الخيبري لتأمين وسط الملعب. بدا وكأن النصر يبحث عن تقليل الأضرار، خاصة بعد أن ألغى حكم الفيديو المساعد (VAR) هدفاً لساديو ماني في الدقيقة 53 بداعي التسلل، وزاد التوتر بحصول جواو فيليكس على بطاقة صفراء في الدقيقة 55.
لكن روح النصر لم تمت؛ ففي الدقيقة 74، بدأت شرارة العودة الحقيقية. بلمحة فنية من جواو فيليكس، وصلت الكرة إلى الأسد السنغالي ساديو ماني الذي لم يتردد في إسكانها الشباك، مقلصاً الفارق إلى 2-1. هذا الهدف بث الرعب في قلوب لاعبي الاتفاق، وأعاد الثقة لرفاق ماني الذين شعروا أن المستحيل قد يصبح ممكناً.
خمس دقائق هزت أركان الدمام
لم يكد الاتفاق يفيق من صدمة الهدف الأول، حتى عاد جواو فيليكس ليلعب دور صانع الألعاب ببراعة في الدقيقة 77، مرسلاً كرة عرضية ارتقى لها المدافع المتقدم عبدالإله العمري، ليوجهها برأسه بقوة داخل المرمى، معلناً تعادلاً إعجازياً للنصر وسط صمت مطبق في مدرجات أصحاب الأرض وفرحة جنونية على دكة بدلاء الضيوف.
حاول مدرب الاتفاق تدارك الموقف عبر سلسلة من التبديلات، فأخرج موسى ديمبيلي وياسر الشمري، لكن الزخم كان قد انتقل تماماً لجانب النصر. وفي الدقيقة 90، وفي قمة الإثارة، قدم البديل سامي النجعي تمريرة ذهبية لزميله ساديو ماني، الذي أطلق رصاصة الرحمة مسجلاً الهدف الثالث. حبس الجميع أنفاسهم بانتظار قرار الـ VAR، الذي أكد صحة الهدف، لتشتعل الاحتفالات النصراوية في كل مكان.
تحليل تكتيكي: عبقرية بوستيكوجلو وانهيار باباس
رغم النقص العددي، تفوق النصر في الفعالية الهجومية؛ فمن أصل 4 تسديدات فقط طوال المباراة، نجح في تسجيل 3 أهداف، وهو معدل نجاح مذهل يظهر قيمة التركيز أمام المرمى. في المقابل، فشل الاتفاق في استثمار تفوقه العددي وسيطرته على الكرة، حيث لم تسعفه التمريرات الـ 159 التي قام بها لاعبوه في كسر صمود الدفاع النصراوي في اللحظات الحاسمة.
كان لتبديلات بوستيكوجلو مفعول السحر، خاصة إشراك سامي النجعي الذي صنع هدف الفوز، وعبدالله الحمدان الذي منح حيوية للهجوم. وفي المقابل، بدا أن لاعبي الاتفاق عانوا من تراجع بدني وذهني في آخر 20 دقيقة، مما سمح للنصر بالعودة من بعيد وخطف نقاط المباراة كاملة.
الخاتمة: النصر يغرد في الصدارة
بهذا الانتصار الملحمي، رفع النصر رصيده إلى 9 نقاط من ثلاث مباريات، ليتربع على عرش صدارة دوري روشن السعودي بالعلامة الكاملة، مؤكداً أنه فريق لا يعرف المستحيل مهما كانت الظروف. أما الاتفاق، فقد تجمد رصيده عند 6 نقاط في المركز السادس، في خسارة ستترك الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية ضياع تقدم مريح بهدفين أمام فريق يلعب بـ 10 لاعبين. لقد كانت ليلة "ساديو ماني" بامتياز، وليلة سيتذكرها جمهور الشمس طويلاً كواحدة من أعظم مباريات العودة في تاريخ الدوري.


