صمت الشباك في بريدة: التعاون والفيحاء يرتضيان بنقطة الحذر والترقب
في ليلة حبست فيها الأنفاس بمدينة بريدة، احتضن ملعب نادي التعاون مواجهة تكتيكية من طراز رفيع، جمعت بين "سكري القصيم" وضيفه "فارس سدير" الفيحاء، ضمن منافسات دوري روشن السعودي. وعلى الرغم من أن الشباك ظلت عذراء طوال ثمان وتسعين دقيقة من الصراع البدني والذهني، إلا أن المباراة حملت في طياتها تفاصيل مثيرة تعكس قيمة النقاط في دوري يزداد شراسة جولة بعد أخرى. دخل الفريقان اللقاء وكل منهما يطمح في تحسين موقعه في جدول الترتيب، حيث يقبع التعاون في المركز الثاني عشر بينما يحاول الفيحاء الهروب من مناطق الخطر في المركز الرابع عشر.
أجواء ما قبل الصافرة: صراع العقول بين لازيتيش وكاريلى
قبل انطلاق المواجهة، كانت الأجواء في مدرجات ملعب التعاون توحي بمباراة هجومية كاسحة، فالجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تمني النفس برؤية الأهداف. على الخطوط الفنية، وقف الصربي زاركو لازيتيش مدرب التعاون واضعاً ثقته في عناصره للسيطرة على وسط الميدان، بينما كان البرازيلي المحنك فابيو كاريلى يدرك تماماً أن الخروج بنقطة من قلب بريدة يتطلب تنظيماً دفاعياً حديدياً. التوقعات كانت تشير إلى أفضلية نسبية للتعاون بحكم الأرض والجمهور، لكن الفيحاء دخل اللقاء برغبة جامحة في إيقاف نزيف النقاط بعد سلسلة من النتائج المتعثرة.
الشوط الأول: جس نبض وحذر مبالغ فيه
أطلق الحكم شكري الحنفوش صافرة البداية، لتنطلق معها رحلة البحث عن ثغرة في جدار الدفاع. اتسم الشوط الأول بالهدوء والحذر الشديد من الجانبين، حيث تركز اللعب في منطقة العمليات. حاول لاعبو التعاون بناء الهجمات من الخلف عبر التمريرات القصيرة، إلا أن انضباط لاعبي الفيحاء حال دون وصول الكرة إلى مناطق الخطورة. غابت الفرص الحقيقية للتسجيل، وبدا أن الفريقين يخشى كل منهما الآخر أكثر من رغبته في المبادرة الهجومية. انتهى النصف الأول من المباراة بصمت تهديفي، لكنه كان صمتاً يسبق العاصفة التكتيكية التي شهدها الشوط الثاني.
الشوط الثاني: اشتعال الصراع وبطاقة صفراء تكسر الهدوء
مع بداية الشوط الثاني، ارتفع رتم المباراة بشكل ملحوظ، وبدأ اللاعبون في الالتحامات القوية لاستخلاص الكرة. وفي الدقيقة 53، اضطر الحكم شكري الحنفوش لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب التعاون بسام محمد الحريجي، بعد تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة للفيحاء. هذه البطاقة كانت بمثابة إشارة لبدء مرحلة جديدة من الإثارة، حيث بدأ المدربان في التفكير بجدية في دكة البدلاء لتغيير مجرى اللقاء العقيم تهديفياً.
موجة التبديلات: محاولات لازيتيش وكاريلى لفك الشفرة
شهدت الدقيقة 66 أولى تحركات لازيتيش، حيث سحب اوسكار دورلي ليدفع باللاعب راكان الطليحي في محاولة لضخ دماء جديدة في خط الوسط. لم يتوقف مدرب التعاون عند هذا الحد، ففي الدقيقة 73 أجري تبديلين دفعة واحدة بدخول باسم العريني وسيف رجب بدلاً من يونس البحراوي ونديم بجرامي. في المقابل، رد كاريلى بتبديل تنشيطي في نفس الدقيقة بدخول محمد الدويش بدلاً من فهد الحبيشي.
استمرت لعبة الشطرنج بين المدربين، ففي الدقيقة 78 أجرى الفيحاء تبديلين مهمين بدخول أحمد بامسعود ومنصور البيشي بدلاً من لازارو ونواف الحارثي، في محاولة لتأمين المناطق الخلفية والاعتماد على الكرات المرتدة. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، وتحديداً في الدقيقة 84، رمى مدرب التعاون بآخر أوراقه بإشراك محمد صالح العقل وعبدالرحمن هندي بدلاً من محمد الكويكبي وبسام محمد الحريجي، على أمل خطف هدف قاتل في اللحظات الأخيرة.
التحليل الفني: دفاع صلب وغياب للمسة الأخيرة
بالنظر إلى الإحصائيات وسير اللقاء، نجد أن التعاون استحوذ على الكرة بنسبة أكبر، لكنه افتقد للمسة الأخيرة الحاسمة أمام المرمى. دفاع الفيحاء كان النجم الأول في المباراة، حيث نجح في عزل مهاجمي التعاون ومنعهم من تسديد كرات خطيرة على المرمى. التبديلات التي أجراها المدربان لم تغير الكثير في شكل النتيجة، لكنها حافظت على التوازن البدني للفريقين في ظل المجهود الكبير الذي بذل طوال دقائق المباراة الثمانية والتسعين.
الإحصائيات تشير إلى أن التعاون ما زال يبحث عن فوزه الأول بعد ثلاث مباريات، حيث يملك في رصيده تعادلين وخسارة واحدة، بينما نجح الفيحاء في حصد نقطته الأولى في الدوري بعد خسارتين متتاليتين، وهو ما قد يمثل انطلاقة جديدة للفريق البرتقالي في رحلة الهروب من مراكز الهبوط.
الخاتمة: نقطة لا تسمن ولا تغني من جوع
أطلق شكري الحنفوش صافرة النهاية معلناً تعادلاً سلبياً بطعم الخسارة للتعاون، وبطعم الأمل للفيحاء. هذه النتيجة رفعت رصيد التعاون إلى نقطتين في المركز الثاني عشر، بينما حصل الفيحاء على نقطته الأولى ليحتل المركز الرابع عشر. يبقى الصراع مستمراً في دوري روشن، حيث أثبتت هذه المباراة أن الأسماء والنجوم قد لا تكفي أحياناً لكسر صمود التنظيم الدفاعي والروح القتالية. رحل الفيحاء بنقطة ثمينة من بريدة، بينما بقي التعاون يراجع أوراقه الهجومية قبل الجولات القادمة التي لا تقبل القسمة على اثنين.


