عناق النقاط في عسير: أبها والخليج يرتضيان بالتعادل في ليلة تكتيكية مثيرة
تحت أنظار جبال عسير الشاهقة وفي أجواء ملبدة بغيوم الترقب، احتضن استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية مواجهة كروية اتسمت بالندية والإثارة بين فريقي أبها والخليج، ضمن منافسات دوري روشن السعودي للمحترفين. لم تكن المباراة مجرد صراع على ثلاث نقاط، بل كانت اختباراً حقيقياً لقوة الإرادة بين طموح "زعيم الجنوب" في تذوق طعم الانتصار الأول، ورغبة "دانة سيهات" في مواصلة حصد النقاط بعيداً عن القواعد. ومع صافرة النهاية التي أطلقها الحكم علي القحطاني، كان التعادل الإيجابي بهدف لمثله هو العنوان العريض لملحمة كروية لم تبخل على عشاقها بالمتعة والتشويق.
أجواء ما قبل المعركة: طموحات متباينة وتكتيكات حذرة
بدت الأجواء في ملعب المحالة مهيأة تماماً لتقديم وجبة كروية دسمة؛ الجماهير الأبهاوية احتشدت لمؤازرة فريقها الذي يعاني من بداية متعثرة، بينما كانت جماهير الخليج التي رحلت خلف فريقها تأمل في كسر سلسلة التعادلات. المدرب الكرواتي دامير بوريتش دخل المباراة وهو يدرك أن الخطأ ممنوع، واضعاً ثقته في تشكيلة متوازنة، بينما دخل البرتغالي جوزيه جوميز اللقاء بهدوئه المعتاد، معتمداً على تنظيم دفاعي محكم وانطلاقات هجومية خاطفة. التوقعات كانت تشير إلى مباراة مغلقة، لكن ما حدث على أرضية الميدان منذ الدقائق الأولى كسر كل القيود التكتيكية.
الشوط الأول: صدمة "كينج" ورد "القحطاني" السريع
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث لم يمنح الفريقان بعضهما البعض فترة لجس النبض. وفي الدقيقة السابعة عشرة، صمتت مدرجات أبها فجأة عندما نجح المهاجم الخبير جوشوا كينج في هز الشباك لمصلحة الخليج. الهدف جاء بعد جملة تكتيكية رائعة، وعلى الرغم من توقف اللعب للحظات لمراجعة تقنية الفيديو (VAR)، إلا أن الحكم أكد صحة الهدف، ليعلن تقدم الضيوف وسط فرحة عارمة على دكة بدلاء جوميز. هذا الهدف المبكر وضع أصحاب الأرض تحت ضغط هائل، لكن رد الفعل لم يتأخر طويلاً.
لم يستسلم أبها للواقع المر، بل اندفع نحو الهجوم بقيادة صانع ألعابه محمد الدوسري، الذي أرسل تمريرة سحرية في الدقيقة الرابعة والعشرين، وجدت المتربص كشيم القحطاني الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. اشتعل الملعب من جديد، وارتفعت وتيرة الالتحامات البدنية، حيث حاول كل فريق فرض سيطرته على منطقة العمليات، لينتهي الشوط الأول بتعادل عادل يعكس حجم الندية بين الطرفين.
الشوط الثاني: صراع البدلاء وتقلبات الأحداث
مع بداية الشوط الثاني، أجرى المدربان تغييرات جوهرية لتنشيط الصفوف؛ فدفع بوريتش بالنجم العالمي نبيل فقير وعلي مامي جوري بدلاً من فراس الغامدي ولورينتز روزير، في إشارة واضحة لرغبته في حسم اللقاء. في المقابل، دفع جوميز بـ صالح العمري بدلاً من حسين العيسى لتعزيز الجانب الهجومي. هذه التغييرات أضفت حيوية كبيرة على الأداء، لكنها زادت من حدة التوتر، وهو ما تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها المهاجم البلجيكي ميتشي باتشواي في الدقيقة 51 نتيجة تدخل قوي.
استمر السجال التكتيكي، وفي الدقيقة 61 تلقى لاعب الخليج بيدرو ريبوكو بطاقة صفراء أخرى، مما جعل اللعب ينحصر أكثر في وسط الملعب مع اعتماد الخليج على التكتل الدفاعي والتبديلات الدفاعية، حيث دخل سعيد الحمصل وعبد الله الحفيظ وماجد كنبه لتأمين النتيجة. أبها من جانبه واصل الضغط، وأشرك محمد الزيد وفيصل إسماعيل الصبياني وعبد الباسط هندي في الدقائق الأخيرة، لكن صمود دفاع الخليج ومن خلفهم حارس مرماهم حال دون تسجيل هدف الفوز القاتل.
التحليل الفني: كيف أدار بوريتش وجوميز دفة اللقاء؟
كانت المباراة عبارة عن شطرنج تكتيكي بين مدرستين مختلفتين. دامير بوريتش حاول استغلال مهارة نبيل فقير في صناعة اللعب بعد دخوله، مما جعل أبها أكثر استحواذاً وخطورة في الثلث الأخير، إلا أن اللمسة الأخيرة غابت عن باتشواي وزملائه. في المقابل، أثبت جوزيه جوميز أنه مدرب يجيد القراءة الدفاعية، حيث نجحت تبديلاته في إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب أبها، واكتفى بالخروج بنقطة ثمينة من ملعب صعب، مستفيداً من صلابة بوبكار كوياتي قبل خروجه وتألق وسط ميدانه في تكسير الهجمات.
الإحصائيات تشير إلى تقارب كبير في الاستحواذ وعدد التسديدات، مما يؤكد أن التعادل كان النتيجة المنطقية. البطاقات الملونة (بطاقتان صفراوان) تعكس مدى الحذر والندية، بينما أظهرت التبديلات (5 لأبها و5 للخليج) أن المدربين استنفدوا كل أوراقهم المتاحة لتغيير واقع المباراة دون جدوى.
الخاتمة: نقطة لكل فريق وصراع مستمر في "روشن"
بهذه النتيجة، رفع الخليج رصيده إلى 3 نقاط من ثلاث تعادلات متتالية، ليحتل المركز التاسع في جدول الترتيب، مؤكداً أنه فريق يصعب هزيمته ولكنه لا يزال يبحث عن هويته الهجومية لتحقيق الفوز الأول. أما أبها، فقد حصد نقطته الأولى في الموسم ليحتل المركز الخامس عشر، وهي نقطة قد تكون بمثابة حجر الزاوية الذي سيبني عليه بوريتش في المباريات القادمة لتصحيح المسار والهروب من مناطق الخطر.
لقد كانت ليلة كروية ممتعة في أبها، أثبتت مرة أخرى أن دوري روشن لا يعترف بالأسماء الكبيرة فقط، بل بالعطاء والجهد داخل المستطيل الأخضر. خرج الجمهور وهو يشعر بالرضا عن الأداء، وإن غابت فرحة الانتصار، بانتظار ما ستسفر عنه الجولات القادمة من إثارة لا تنتهي في أقوى الدوريات العربية.


