ملحمة المجمعة الكروية: لازارو يقود الفيحاء لعبور عقبة أبها في ليلة حبست الأنفاس
في ليلة كروية تجسدت فيها كل معاني الإثارة والتشويق التي تعودنا عليها في دوري روشن السعودي، احتضن استاد مدينة المجمعة الرياضية مواجهة لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت قصة درامية كُتبت فصولها بعرق اللاعبين وصيحات الجماهير. انتهت الموقعة بفوز مثير للفيحاء بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين، في لقاء شهد تقلبات دراماتيكية جعلت المتابعين يقفون على أطراف أصابعهم حتى الصافرة الأخيرة للحكم محمد الهويش.
أجواء ما قبل العاصفة: طموح الفيحاء وأوجاع أبها
دخل الفريقان أرضية الملعب تحت ضغوط متباينة؛ فالفيحاء بقيادة مدربه المحنك فابيو كاريلى كان يبحث عن تعزيز موقعه في وسط الجدول واستغلال عامل الأرض والجمهور، بينما دخل أبها تحت قيادة دامير بوريتش وهو يئن من جراح النتائج السلبية، باحثاً عن طوق نجاة ينتشله من مراكز الذيل. كانت الرطوبة والترقب يلفان أرجاء المجمعة، والتوقعات تشير إلى معركة تكتيكية كبرى بين عقلية لاتينية وأخرى أوروبية.
لم تكد تمر أربع دقائق فقط على البداية حتى تلقى أبها ضربة موجعة بخروج لاعبه لورينتز روزير مصاباً، ليضطر بوريتش لإقحام محمد الزيد في وقت مبكر جداً، وهو ما أربك الحسابات الفنية للضيوف ومنح أصحاب الأرض فرصة لفرض أسلوبهم مبكراً، حيث بلغت نسبة استحواذ الفيحاء 58% على مدار اللقاء، مما عكس سيطرتهم الميدانية.
الشوط الأول: لازارو يفتتح سيمفونية البرتقالي
بدأ الفيحاء بفرض حصار هجومي، معتمداً على تحركات فاشون ساكالا وسرعات لازارو. وفي الدقيقة 32، ومن جملة تكتيكية منظمة، نجح النجم البرازيلي لازارو في فك شفرات دفاع أبها، مسجلاً الهدف الأول الذي أشعل المدرجات باللون البرتقالي. حاول أبها الرد، لكن التوتر سيطر على لاعبيه، فنال خالد الشمراني بطاقة صفراء في الدقيقة 38 نتيجة تدخل خشن، وتبعه زميله جورين جاري بإنذار آخر في الأنفاس الأخيرة من الشوط الأول، لينتهي النصف الأول بتقدم مستحق للفيحاء.
الشوط الثاني: صراع الأهداف والدراما القاتلة
مع انطلاقة الشوط الثاني، حاول بوريتش تدارك الموقف بإخراج فيصل الصبياني وإشراك ناصر الدعجاني، لكن لازارو لم يمهل الضيوف وقتاً لترتيب أوراقهم، حيث عاد في الدقيقة 56 ليوقع على هدفه الشخصي الثاني وهدف فريقه الثاني، معززاً تقدم الفيحاء ومؤكداً نجاعة هجوم "الفهود".
شعر لاعبو أبها بالخطر، وبدأت المباراة تأخذ طابعاً بدنياً قوياً، حيث أشهر الحكم بطاقة صفراء في وجه عبده ديالو في الدقيقة 68. كاريلى، من جانبه، بدأ في إجراء تبديلات ذكية للحفاظ على التوازن، فأخرج المدافع باولو أوليفيرا وأشرك زياد الصحفى في الدقيقة 76 لتأمين الخطوط الخلفية.
في الدقائق العشر الأخيرة، تحولت المباراة إلى "ماراثون" من الأهداف. ففي الدقيقة 84، نجح علي مامي جوري في تقليص الفارق لأبها، ليعيد الأمل لزملائه. وبينما كان أبها يندفع للهجوم، وقعت الكارثة في الدقيقة 87، عندما سجل المدافع عبده ديالو هدفاً عكسياً في مرماه بالخطأ، ليمنح الفيحاء الهدف الثالث ويصعب المهمة على فريقه.
اللحظات الأخيرة: ركلة جزاء وحبس الأنفاس
لم يستسلم أبها رغم النحس الذي لازم ديالو، وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (90+4)، احتسب الحكم محمد الهويش ركلة جزاء للضيوف، انبرى لها النجم البلجيكي ميتشي باتشواي ووضعها بنجاح في الشباك، لتصبح النتيجة 3-2. اشتعلت الدقائق المتبقية بالتوتر، وكاد أبها أن يفعلها ويخطف التعادل، لكن صلابة دفاع الفيحاء ويقظة حارسه حالت دون ذلك، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوزاً فيحاوياً صعباً ومستحقاً.
التحليل الفني: كيف حسم "كاريلى" الموقعة؟
كانت إدارة فابيو كاريلى للمباراة نموذجية، حيث عرف كيف يستغل تفوق فريقه في وسط الملعب، وقد ظهر ذلك جلياً في دقة التمرير التي وصلت إلى 88.7%، مما سمح للفيحاء بتدوير الكرة بأريحية واستنزاف طاقة لاعبي أبها. في المقابل، عانى أبها من كثرة الأخطاء الدفاعية وفقدان التركيز في اللحظات الحاسمة، رغم محاولات نبيل فقير قبل خروجه في الدقيقة 80 لصالح ماجد دوران.
التبديلات المتعددة التي أجراها المدربان في الدقائق الأخيرة، بدخول سيلفير جانفولو وفهد الحبيشي من جانب الفيحاء، وعبد الباسط هندي وفراس الغامدي من جانب أبها، أضفت إيقاعاً سريعاً على المباراة، لكن الهدف العكسي لديالو كان هو "المنعطف" الذي قتل طموحات الضيوف في العودة الكاملة.
الخاتمة: الفيحاء يتنفس الصعداء وأبها في نفق مظلم
بهذا الانتصار الثمين، رفع الفيحاء رصيده إلى 4 نقاط، قافزاً إلى المركز العاشر في سلم الترتيب، وهو فوز معنوي كبير يعيد الثقة للمجموعة وللجماهير في المجمعة. أما أبها، فقد تجمد رصيده عند نقطة واحدة في المركز الثامن عشر والأخير، مما يضع المدرب دامير بوريتش أمام ضغوط هائلة لمراجعة حساباته الدفاعية قبل فوات الأوان.
لقد كانت مباراة المجمعة تجسيداً لجمال كرة القدم؛ فبين ثنائية لازارو الرائعة ودراما الهدف العكسي وهدوء باتشواي في ركلة الجزاء، عاش المتابعون يوماً لن ينسى في روزنامة هذا الموسم من دوري روشن.


