إعصار "الراقي" يكتسح مدرسة الوسطى بخماسية بيضاء في ليلة جدة الخالدة
تحت أضواء استاد مدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية بجدة، وفي ليلة تزينت باللونين الأخضر والأبيض، رسم النادي الأهلي لوحة كروية باهرة، معلناً عن سطوته المطلقة في مواجهة لم تكن مجرد مباراة في دوري روشن السعودي، بل كانت استعراضاً للقوة وعزفاً منفرداً على أوتار التألق. بطل القصة كان "الراقي" الذي لم يرحم ضيفه نادي الرياض، ليدك شباكه بخمسة أهداف نظيفة، في مباراة أدارها الحكم عبدالله العويدان باقتدار، وشهدت تفوقاً تكتيكياً كاسحاً للمدرب مارينو بوسيتش على نظيره ماوريسيو دولاك.
أجواء ما قبل المعركة: ترقب في عروس البحر الأحمر
قبل إطلاق صافرة البداية، كانت الأجواء في مدرجات ملعب جدة توحي بليلة استثنائية؛ فجماهير الأهلي التي ملأت جنبات الاستاد لم تتوقف عن الهتاف، محفزةً لاعبيها لاستعادة هيبة الفريق ومواصلة الزحف نحو مقدمة الترتيب. التوقعات كانت تشير إلى مباراة صعبة نظراً لرغبة الرياض في تحسين وضعه، لكن الرغبة الأهلاوية كانت طاغية منذ اللحظات الأولى للإحماء. دخل الأهلي المباراة وهو عينه على النقاط الثلاث لتعزيز مركزه الرابع، بينما كان الرياض يأمل في إحداث مفاجأة تبعده عن مناطق الخطر في وسط الجدول.
الشوط الأول: عاصفة أهلاوية تقتلع الدفاعات
بدأت المباراة بجس نبض لم يدم طويلاً، حيث فرض الأهلي أسلوبه بامتلاك الكرة الذي وصل إلى 58% على مدار اللقاء. وفي الدقيقة 14، حبست الجماهير أنفاسها مع تدخل تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة الجزاء، وبعد لحظات من الترقب، أشار الحكم عبدالله العويدان إلى نقطة الجزاء. انبرى للمهمة المهاجم الإنجليزي القناص ايفان توني، الذي وضع الكرة بهدوء وثقة في الشباك عند الدقيقة 16، مفجراً بركان الفرح في المدرجات.
استمر الضغط الأهلاوي وسط تراجع دفاعي من فريق الرياض، وقبل نهاية الشوط الأول بلحظات، قرر "الراقي" حسم الأمور مبكراً. وفي الدقيقة 43، انطلق سعد العبيد بكرة عرضية متقنة وجدت المبدع إدوارد سبيرتسيان الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى معلناً عن الهدف الثاني. ولم يكد لاعبو الرياض يستفيقون من صدمة الهدف الثاني، حتى عاد سعد العبيد ليصنع الحدث مجدداً بتمريرة حاسمة أخرى في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع، ترجمها النجم ترينكاو إلى هدف ثالث رائع، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح للأهلي بثلاثية نظيفة.
الشوط الثاني: استكمال السيطرة وإحكام القبضة
مع بداية الشوط الثاني، حاول مدرب الرياض ماوريسيو دولاك تدارك الموقف بإجراء تبديل بدخول حسين الشرفاء بدلاً من فهد الجيزاني، لكن الشرفاء سرعان ما تلقى بطاقة صفراء في الدقيقة 48، مما عكس حالة التوتر في صفوف الضيوف. وفي الدقيقة 59، عاد الـ VAR للظهور مرة أخرى، ليؤكد وجود ركلة جزاء ثانية للأهلي، تسببت في حصول مدافع الرياض محمد الخيبري على بطاقة صفراء. ومرة أخرى، وقف ايفان توني وجهاً لوجه مع حارس المرمى في الدقيقة 61، ليسكن الكرة الشباك ببراعة، محرزاً هدفه الشخصي الثاني والرابع لفريقه.
بدأ مارينو بوسيتش في تدوير لاعبيه للحفاظ على المجهود البدني، فأخرج بوندارينكو وأدخل زياد الجهني، ثم أجرى تبديلات بالجملة في الدقيقة 75 بدخول فراس البريكان ونايف مسعود وصالح ابو الشامات. هذه التبديلات حافظت على حيوية الفريق الأهلاوي رغم البطاقة الصفراء التي نالها سعد العبيد في الدقيقة 77 قبل خروجه بدقائق. الرياض من جانبه حاول تقليص الفارق عبر تبديلات هجومية بدخول مرزوق تمبكتي وعبدالاله الطالع، لكن دفاع الأهلي كان سداً منيعاً، حيث شتت الكرة في 26 مناسبة، مانعاً أي خطورة حقيقية على مرمى فريقه، حيث لم يسدد الرياض سوى تسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة.
رصاصة الرحمة والتحليل الفني
في الدقائق الأخيرة، وبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها، أبى البدلاء إلا أن يضعوا بصمتهم الخاصة. وفي الدقيقة 87، وبصناعة نموذجية من فراس البريكان، نجح نايف مسعود في تسجيل الهدف الخامس، مختتماً مهرجان الأهداف الأهلاوية. إحصائيات المباراة تعكس الفوارق الفنية الكبيرة؛ فقد سدد الأهلي 16 تسديدة منها 8 بين الخشبات الثلاث، في حين اكتفى الرياض بـ 11 تسديدة أغلبها بعيدة عن المرمى. دقة تمريرات الأهلي التي بلغت 86% كانت المفتاح الحقيقي لخلخلة دفاعات الخصم وإيجاد المساحات.
كانت إدارة مارينو بوسيتش للمباراة مثالية، حيث استغل الأطراف بشكل ممتاز عبر سعد العبيد الذي كان نجم الشوط الأول بلا منازع بصناعته لهدفين. كما أن القوة الهجومية المتمثلة في ايفان توني أعطت الفريق ثقلاً كبيراً داخل منطقة الجزاء. في المقابل، عانى الرياض من تباعد الخطوط وكثرة الأخطاء الدفاعية التي كلفتهم ثلاث بطاقات صفراء، كان آخرها من نصيب عبدالاله الطالع في الدقيقة 85.
الخاتمة: الأهلي يبعث برسالة شديدة اللهجة
بهذا الانتصار الكاسح، رفع الأهلي رصيده إلى 9 نقاط، متمسكاً بالمركز الرابع ومثبتاً أقدامه بين كبار الدوري، ومواصلاً سلسلة نتائجه الإيجابية في المباريات الأخيرة. هذه الخماسية ليست مجرد ثلاث نقاط، بل هي دفعة معنوية هائلة للاعبين والجماهير، ورسالة واضحة لكل المنافسين بأن "قلعة الكؤوس" استعادت بريقها الهجومي المرعب. أما نادي الرياض، فعليه مراجعة أوراقه سريعاً بعد هذه الخسارة القاسية التي جمدت رصيده عند 4 نقاط في المركز الثاني عشر، في موسم يبدو أنه سيكون شاقاً على "مدرسة الوسطى". غادرت الجماهير الأهلاوية الملعب وهي تتغنى بأهازيج النصر، مدركةً أن فريقها اليوم قدم واحدة من أجمل مبارياته التكتيكية والجمالية منذ فترة طويلة.


