نيران صديقة تمنح الاتفاق نقاط "عسير" في ليلة درامية بأبها
في ليلة غلب عليها التحفظ التكتيكي وغلفتها أجواء الترقب، نجح فريق الاتفاق في العودة من معقل "زعيم الجنوب" بثلاث نقاط ثمينة، إثر فوزه الصعب على مضيفه أبها بهدف دون رد. المباراة التي احتضنها استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية، لم تكن مجرد مواجهة عادية في دوري روشن السعودي، بل كانت صراعاً مريراً بين طموح الاتفاق في تسلق سلم الترتيب، ومحاولات أبها المستميتة للهروب من قاع الجدول، لتنتهي الموقعة بابتسامة "فارس الدهناء" بفضل هدف عكسي قاتل وضع حداً لصمود أصحاب الأرض.
أجواء ما قبل المعركة: قمة التناقضات
دخل الفريقان أرضية الملعب تحت إدارة الحكم محمد الشهراني، وسط تباين كبير في الدوافع. أبها، الذي يعاني في المركز الثامن عشر، كان يبحث عن طوق نجاة تحت قيادة مدربه دامير بوريتش، بينما سعى الاتفاق بقيادة أرثر باباس لتأكيد أفضليته الفنية ومواصلة الزحف نحو المربع الذهبي. الجماهير التي احتشدت في المدرجات كانت تتوقع مباراة هجومية مفتوحة، لكن الحذر المبالغ فيه من الجانبين جعل الدقائق الأولى تمر كفترة جس نبض طويلة، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان مع أفضلية نسبية للضيوف في الاستحواذ على الكرة.
الشوط الأول: صراع تكتيكي وبطاقات ملونة
بدأ الشوط الأول بإيقاع هادئ، حيث اعتمد أبها على إغلاق المساحات والاعتماد على الكرات المرتدة، في حين حاول الاتفاق اختراق الدفاعات الحصينة عبر تحركات اوندراي دودا وبيرسانت سيلينا. ومع مرور الوقت، بدأت حدة التوتر تزداد، وهو ما انعكس على قرارات الحكم؛ ففي الدقيقة 29 تلقى لاعب أبها فراس الغامدي بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، ولم تمر سوى دقيقة واحدة حتى رد عليه اوندراي دودا من جانب الاتفاق ببطاقة مماثلة، لتشتعل شرارة المنافسة البدنية. ورغم المحاولات الخجولة، انتهى الشوط الأول كما بدأ سلبياً، وسط غياب تام للفرص المحققة للتسجيل، حيث بلغت نسبة تمريرات الاتفاق الناجحة 82% مقابل 73% لأبها، مما عكس سيطرة الضيوف على الكرة دون فاعلية هجومية.
الشوط الثاني: تبديلات قلبت الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، زادت الضغوط على لاعبي أبها، وتلقى محمد الزيد بطاقة صفراء في الدقيقة 53، مما أجبر المدرب بوريتش على التفكير في حلول بديلة. في الدقيقة 65، شهدت المباراة منعطفاً هاماً بسلسلة من التبديلات؛ حيث غادر النجم نبيل فقير أرض الملعب تاركاً مكانه لماجد دوران، في محاولة لضخ دماء جديدة في هجوم أبها. وفي المقابل، دفع أرثر باباس بالثنائي مدالله العليان وريان ميسي بدلاً من مشعل العلائلي واوندراي دودا، لتنشيط الجبهة اليمنى وزيادة الضغط العرضي على مرمى أبها.
المنعرج الأخير: لدغة النيران الصديقة ودراما الـ VAR
بينما كانت المباراة تتجه نحو تعادل سلبي قد يرضي أصحاب الأرض، جاءت الدقيقة 80 لتكتب سيناريو صادماً. فمن كرة عرضية لم يتم التعامل معها بشكل صحيح، ارتكب حارس مرمى أبها دونوفان ليون خطأ فادحاً بإيداع الكرة في مرماه (هدف عكسي)، معلناً عن تقدم الاتفاق وسط ذهول لاعبي أبها وجماهيرهم. هذا الهدف جاء بعد لحظات فقط من حصول مدافع أبها عبد الباسط هندي على بطاقة صفراء. ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، ففي الدقيقة 87، ظن المهاجم موسى ديمبيلي أنه حسم الأمور تماماً بتسجيله الهدف الثاني بعد تمريرة حاسمة من البديل خالد الغنام، لكن الفرحة لم تكتمل بعد أن تدخلت تقنية الفيديو "VAR" لتلغي الهدف، مما أبقى باب الأمل مفتوحاً أمام أبها في الدقائق الأخيرة.
التحليل الفني: استحواذ اتفاقي وصمود أبهاوي منكسر
أظهرت الإحصائيات تفوقاً واضحاً للاتفاق في الاستحواذ بنسبة وصلت إلى 56%، مقابل 44% لأبها. كما نجح لاعبو الاتفاق في إتمام 161 تمريرة ناجحة، مما ساعدهم على فرض إيقاعهم في وسط الملعب. التبديلات التي أجراها مدرب الاتفاق، خاصة دخول خالد الغنام في الدقيقة 73، أعطت زخماً هجومياً كبيراً، بينما لم تنجح تبديلات أبها المتأخرة في الدقائق الأخيرة، بدخول باسل السيالي وكاميل بومدمد وفيصل الصبياني، في تغيير الواقع المرير. لقد افتقد أبها للنجاعة الهجومية، حيث لم يتمكن من استغلال الكرات الثابتة القليلة التي أتيحت له، مكتفياً بركنية وحيدة طوال المباراة مقابل 3 ركنيات للاتفاق.
الخاتمة: الاتفاق يثبت أقدامه وأبها في مهب الريح
بإطلاق الحكم محمد الشهراني صافرة النهاية، تنفس أنصار "النواخذة" الصعداء بهذا الفوز الصعب الذي رفع رصيد الفريق إلى 9 نقاط، ليقفز إلى المركز السادس ويعيد الثقة للمجموعة بعد سلسلة من النتائج المتذبذبة. في المقابل، تجمد رصيد أبها عند نقطة واحدة في المركز الأخير، لتزداد الضغوط على المدرب دامير بوريتش الذي بات مطالباً بإيجاد حلول عاجلة للعقم الهجومي والأخطاء الدفاعية القاتلة. لقد كانت مباراة "النيران الصديقة" درساً قاسياً لأبها في كيفية الحفاظ على التركيز حتى الرمق الأخير، بينما كانت مكافأة للاتفاق الذي آمن بحظوظه وواصل الضغط حتى أجبر الخصم على الخطأ.


