صمود "الرس" يحبط طموحات التعاون: لدغة "باه" المبكرة تمنح الحزم انتصاراً ثميناً
في ليلةٍ تجسدت فيها معاني الإصرار والانضباط التكتيكي، شهد ملعب نادي الحزم بمدينة "الرس" فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري روشن السعودي. لم تكن مواجهة الحزم وضيفه التعاون مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت صراعاً على إثبات الذات واستعادة التوازن. وتحت أنظار الجماهير التي ملأت المدرجات حماساً، نجح أصحاب الأرض في اقتناص فوزٍ ثمين بهدفٍ نظيف، ليؤكد الحزم أن ملعبه سيظل حصناً منيعاً أمام الطامحين، بينما استمرت معاناة "السكري" في رحلة البحث عن فوزه الأول هذا الموسم.
بداية صاعقة وهدف أربك الحسابات
لم يمهل الحزم ضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ فمع إطلاق الحكم خالد التريس صافرة البداية، اندفع لاعبو المدرب جلال قادري نحو الهجوم بضغطٍ عالٍ فاجأ دفاعات التعاون. وفي الدقيقة الثالثة فقط، وبينما كان المتابعون يستعدون لمتابعة جس النبض المعتاد، ارتقى المهاجم ابو بكر باه لكرة عرضية متقنة، ليرسلها ببراعة إلى داخل الشباك، معلناً عن الهدف الأول والوحيد في المباراة. هذا الهدف المبكر لم يشعل المدرجات فحسب، بل أربك حسابات المدرب زاركو لازيتيش، الذي وجد فريقه متأخراً قبل أن يلمس لاعبوه الكرة بشكل فعلي في مناطق الخصم.
حاول التعاون الرد سريعاً، وبدأ في الاستحواذ على الكرة محاولاً اختراق العمق الدفاعي للحزم، لكن التنظيم الدفاعي لأصحاب الأرض كان في أوج عطائه. وفي الدقيقة 26، اضطر جلال قادري لإجراء تبديل اضطراري مبكر بخروج عبد العزيز الضويحي ودخول محمد الحمداني، في خطوة بدت وكأنها تهدف لتعزيز الصلابة في وسط الميدان والحفاظ على التقدم المبكر.
صراع تكتيكي وتوتر في الأجواء
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل التعاون برغبة واضحة في التعديل، وزاد من وتيرة ضغطه الهجومي، مما جعل المباراة تكتسي بطابع القوة والالتحامات البدنية. هذا التوتر انعكس على قرارات الحكم خالد التريس، الذي اضطر لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب التعاون سيف رجب في الدقيقة 48، بعد تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة. الحزم من جانبه، لم يكتفِ بالدفاع، بل حاول استغلال المساحات التي خلفها اندفاع لاعبي التعاون، واعتمد بشكل كبير على سرعات أطرافه.
في الدقيقة 58، أجرى مدرب الحزم تبديلين دفعة واحدة لضخ دماء جديدة، حيث غادر كل من محمد أمين بن حميدة وايلتون اكولتسى، ليحل مكانهما أحمد النخلي وأحمد الشمراني. هذه التغييرات منحت الحزم قدرة أكبر على الصمود أمام المد التعاوني الذي لم يتوقف. ومع مرور الوقت، ازداد الضغط النفسي على لاعبي الفريقين، مما أدى لحصول مدافع الحزم عبد الرحمن الدخيل على بطاقة صفراء في الدقيقة 65، تبعها زميله سلطان تنكر ببطاقة مماثلة في الدقيقة 74، لتشهد الدقائق الأخيرة صراعاً بدنياً محتدماً في كل شبر من الملعب.
تبديلات "لازيتيش" وسد الحزم المنيع
شعر زاركو لازيتيش بمرور الوقت من بين يديه، فدفع بأوراقه الرابحة في الدقيقة 67، حيث أشرك إبراهيم محنشي وراكان الطليحي بدلاً من نديم بجرامي وعون السلولي، ثم عزز هجومه بدخول النجم محمد الكويكبي في الدقيقة 80 بدلاً من سيف رجب. ورغم هذه التبديلات الهجومية، ظل دفاع الحزم صامداً كالجبل، حيث استبسل اللاعبون في إبعاد الكرات العرضية والتصدي لتسديدات لاعبي التعاون التي افتقدت للدقة في اللمسة الأخيرة.
في الدقائق الخمس الأخيرة، لجأ جلال قادري لتأمين الفوز عبر تبديلات تكتيكية لتعطيل اللعب واستهلاك الوقت، فخرج سفيان بن دبكه وافيميكو بولولو، ودخل بدلاً منهما عبدالله الشنقيطي وابو بكر دياكاتي. كانت هذه اللحظات هي الأصعب على عشاق الحزم، حيث رمى التعاون بكل ثقله في منطقة جزاء الخصم، لكن صافرة النهاية كانت هي الخبر السعيد الذي انتظره أهل الرس، لتعلن فوز الحزم الغالي.
تحليل المباراة وأهمية النتيجة
من الناحية الفنية، تفوق الحزم في قراءة المباراة؛ حيث استغل جلال قادري نقاط القوة في فريقه والمتمثلة في الكرات الثابتة والتحول السريع من الدفاع للهجوم. أما التعاون، فرغم سيطرته الميدانية في فترات طويلة، إلا أنه عانى من غياب الفعالية الهجومية والقدرة على كسر الحواجز الدفاعية المنظمة. وبالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن المباراة كانت متكافئة في الفرص، لكن الحزم كان الأكثر تركيزاً في اللحظات الحاسمة.
بهذا الانتصار، رفع الحزم رصيده إلى 8 نقاط ليقفز إلى المركز التاسع في سلم الترتيب، محققاً فوزه الثاني هذا الموسم ومعيداً الثقة لجماهيره بعد سلسلة من النتائج المتذبذبة. في المقابل، تجمد رصيد التعاون عند 3 نقاط فقط في المركز الرابع عشر، وهو وضع لا يليق بطموحات "السكري" الذي دخل الموسم بتوقعات عالية، لكنه يجد نفسه الآن في موقف يحتم عليه مراجعة حساباته الفنية قبل فوات الأوان.
لقد أثبتت هذه المباراة أن دوري روشن لا يعترف بالأسماء بقدر ما يعترف بالعطاء داخل المستطيل الأخضر، وأن الهدف المبكر قد يكون كافياً لصناعة التاريخ إذا ما اقترن بروح قتالية وتنظيم دفاعي محكم، وهو ما نجح الحزم في تقديمه بامتياز في هذه الموقعة المثيرة.


