ليلة نصراوية في "الأول بارك": رونالدو والحمدان يمنحان "العالمي" نقاط أبها الصعبة
تحت أضواء ملعب "الأول بارك" المتلألئة في قلب العاصمة الرياض، عاشت جماهير كرة القدم السعودية فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري روشن للمحترفين. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت صراعاً بين طموح "العالمي" في مطاردة الصدارة، وإصرار "زعيم الجنوب" نادي أبها على التشبث بأمل البقاء. وانتهت الموقعة بفوز صبغ مدرجات الملعب باللون الأصفر بنتيجة 2-1، في ليلة شهدت توهج الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو ورفاقه، وسط أجواء مشحونة بالترقب حتى الثواني الأخيرة.
أجواء ما قبل المعركة: هدير المدرجات وطموحات متباينة
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم شكري الحنفوش، كانت الأجواء في مدرجات "الأول بارك" تنبئ بمباراة استثنائية. الجماهير النصراوية ملأت الجنبات، رافعة شعارات الدعم لكتيبة المدرب الأسترالي أنج بوستيكوجلو، الذي كان يدرك تماماً أن أي تعثر يعني الابتعاد عن صراع اللقب، خاصة وهو يحتل المركز الثاني في جدول الترتيب. في المقابل، دخل أبها تحت قيادة مدربه دامير بوريتش وهو يدرك صعوبة المهمة؛ فالفريق القادم من الجنوب يقبع في المركز الثامن عشر، وكان يبحث عن معجزة تعيد له التوازن في موسم للنسيان.
التوقعات كانت تصب في مصلحة النصر، لكن كرة القدم علمتنا دائماً أن المفاجآت تولد من رحم المعاناة. النصر دخل المباراة بسجل حافل بالانتصارات في مبارياته الأخيرة، بينما كان أبها يحاول كسر سلسلة من النتائج السلبية التي أثقلت كاهل لاعبيه. ومع إطلاق صافرة البداية، تحولت الأنظار من المدرجات إلى المستطيل الأخضر، حيث بدأ صراع التكتيك والمهارة.
الشوط الأول: لمسة الأسطورة تفتتح التسجيل
بدأ النصر المباراة بضغط عالي منذ الدقيقة الأولى، فارضاً أسلوبه الهجومي المعتاد. الاستحواذ كان نصراوياً بامتياز، حيث وصلت نسبة سيطرة الفريق على الكرة إلى 66% طوال اللقاء، مما أجبر لاعبي أبها على التراجع للدفاع عن مناطقهم. التمريرات القصيرة والسريعة كانت سمة أداء "العالمي"، حيث بلغت دقة التمرير 89% من إجمالي 550 تمريرة، وهو ما يعكس النهج الفلسفي الذي زرعه بوستيكوجلو في قلوب لاعبيه.
وفي الدقيقة 22، انفجر الملعب فرحاً؛ حيث أرسل النجم الشاب أنجيلو تمريرة حاسمة متقنة اخترقت حصون أبها الدفاعية، لتجد القناص كريستيانو رونالدو في الموعد. لم يتوانَ "الدون" في إيداع الكرة الشباك بلمسة احترافية، معلناً عن الهدف الأول للنصر. احتفال رونالدو الشهير "Siu" هز أركان الملعب، وسط تصفيق حار من الجماهير التي رأت في هذا الهدف مفتاحاً لليلة مريحة. حاول أبها الرد عبر هجمات مرتدة خجولة، لكن دفاع النصر كان بالمرصاد، لينتهي الشوط الأول بتقدم نصراوي مستحق.
الشوط الثاني: تعزيز التقدم ورد فعل جنوبي مفاجئ
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبات مختلفة؛ النصر لتعزيز التقدم وأبها للبحث عن طوق نجاة. وفي الدقيقة 58، نجح المهاجم عبدالله الحمدان في ترجمة سيطرة فريقه إلى هدف ثانٍ، بعد جملة تكتيكية رائعة وضعت النصر في موقف مريح للغاية. وبدت المباراة وكأنها تسير نحو فوز عريض، خاصة مع استمرار الضغط النصراوي الذي أسفر عن 17 تسديدة إجمالية على مرمى الخصم.
شعر مدرب أبها بالخطر، فأجرى تبديلات سريعة في الدقيقة 63 بدخول خالد الشمراني وبدر محمد المطيري بدلاً من صفوان الجهني وعبد الكريم دارسي. هذه التغييرات رفعت من وتيرة خشونة اللعب قليلاً، حيث نال البديل بدر المطيري بطاقة صفراء في الدقيقة 64 بعد تدخل قوي. ومع استمرار التبديلات، بدأ أبها يخرج من مناطق دفاعه، وفي الدقيقة 75، صعق النجم الفرنسي نبيل فقير الجميع بتسجيله هدف تقليص الفارق لأبها، ليعيد المباراة إلى نقطة الغليان ويشعل القلق في قلوب النصراويين.
التحليل التكتيكي: إدارة بوستيكوجلو وصمود الدقائق الأخيرة
بعد هدف أبها، أدرك بوستيكوجلو أن المباراة قد تفلت من بين يديه. تحرك سريعاً في الدقيقة 76 بإجراء تبديلات مزدوجة، حيث سحب صاحب الهدف عبدالله الحمدان وسعد الناصر، ليدفع بـ أيمن يحيى وسالم النجدي لتنشيط الأطراف وتأمين الدفاع. كان النصر يعاني من ضغط نفسي في الدقائق الأخيرة، خاصة مع محاولات أبها اليائسة للتعادل عبر نواف الغليميش وباسل السيالي الذين دخلوا في الرمق الأخير.
الإحصائيات تظهر أن النصر كان الطرف الأفضل بـ 6 تسديدات على المرمى مقابل تسديدتين فقط لأبها، لكن الفعالية الهجومية لأبها في الربع الأخير جعلت المباراة دراماتيكية. وفي الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع (90+8)، قام مدرب النصر بتبديل تكتيكي بحت لإهدار الوقت وتأمين الخطوط الخلفية، بدخول المدافع عبدالإله العمري بدلاً من سالم النجدي، وهو ما منح الفريق الصلابة اللازمة لامتصاص اندفاع لاعبي أبها حتى صافرة النهاية.
الخاتمة: النصر يطارد الحلم وأبها في نفق مظلم
بإطلاق الحكم شكري الحنفوش لصافرة النهاية، تنفس عشاق "العالمي" الصعداء. هذا الانتصار رفع رصيد النصر إلى 15 نقطة من 6 مباريات، محققاً فوزه الخامس ليبقى في وصافة الترتيب ومطارداً شرساً للمتصدر. بالنسبة للنصر، كانت المباراة درساً في ضرورة الحسم المبكر وعدم التراخي، بينما أثبت كريستيانو رونالدو مرة أخرى أنه الرقم الصعب في معادلة الدوري السعودي.
أما بالنسبة لنادي أبها، فرغم الروح القتالية التي ظهرت في الشوط الثاني وهدف نبيل فقير، إلا أن الفريق ظل متجمداً في قاع الترتيب بنقطة وحيدة. هذه الخسارة الخامسة تضع المدرب دامير بوريتش تحت ضغط هائل، حيث بات الفريق مطالباً بمراجعة حساباته سريعاً قبل فوات الأوان. غادر الجمهور "الأول بارك" وهم يتغنون بانتصار صعب، في ليلة أكدت أن دوري روشن لا يعترف بالفوارق الفنية بقدر ما يعترف بالروح والقتالية حتى اللحظة الأخيرة.


