إعصار "الراقي" يضرب في الأحساء.. رباعية أهلاوية ترسم لوحة الإبداع في شباك الفتح
تحت أضواء ملعب "ميدان تمويل الأولى" في الأحساء، وبحضور جماهيري غلف المدرجات بهتافات لا تهدأ، كتب النادي الأهلي فصلاً جديداً من فصول تألقه في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت استعراضاً للقوة والهيمنة، انتهى بانتصار عريض للضيوف برباعية نظيفة، ليغادر "الراقي" الملعب مثقلاً بالنقاط الثلاث، تاركاً أصحاب الأرض في حيرة من أمرهم أمام هذا الطوفان الهجومي الذي لم يتوقف طوال تسعين دقيقة.
أجواء ما قبل العاصفة: طموح الفتح في مواجهة كبرياء الأهلي
دخل الفتح المباراة بقيادة مدربه جمال السلامي وهو يدرك تماماً أن المهمة لن تكون سهلة، فالفريق يعاني في تذيل الترتيب ويبحث عن طوق نجاة يعيد له الثقة أمام جماهيره. في المقابل، وصل أهلي "مارينو بوسيتش" إلى الأحساء وعينه على المربع الذهبي، متسلحاً بكتيبة من النجوم القادرين على فك شفرات أي دفاع. كانت الأجواء مشحونة بالتوقعات، وصافرة الحكم عبدالله العويدان أعلنت بداية معركة تكتيكية بدأت هادئة، لكنها سرعان ما تحولت إلى إعصار أخضر.
الشوط الأول: ترينكاو يفتتح سيمفونية التألق
بدأت المباراة بحذر متبادل، حيث حاول الفتح إغلاق المساحات والاعتماد على الهجمات المرتدة، بينما سيطر الأهلي على الكرة بنسبة استحواذ وصلت إلى 62%. ومع مرور الدقائق، بدأ الضغط الأهلاوي يشتد، وفي الدقيقة 31، استطاع البرتغالي المتألق ترينكاو أن يكسر صمود دفاع الفتح بلمسة فنية رائعة سكنت الشباك، معلناً عن الهدف الأول. هذا الهدف لم يغير النتيجة فحسب، بل غير الحالة النفسية للاعبي الفتح الذين بدوا مرتبكين أمام سرعة تناقل الكرات بين أقدام لاعبي الأهلي، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق للضيوف.
الشوط الثاني: "سبيرتسيان" المهندس وظهور إيفان توني
مع بداية الشوط الثاني، أجرى المدربان تغييرات جذرية؛ فدخل إدوارد سبيرتسيان بدلاً من ماتيوس جونسالفيس في صفوف الأهلي، وهو التبديل الذي اعتبره المحللون نقطة التحول الكبرى. لم ينتظر الأهلي كثيراً، ففي الدقيقة 50، عاد ترينكاو ليزور الشباك مرة أخرى محرزاً هدفه الشخصي الثاني، ليعمق جراح الفتح. ومع محاولات جمال السلامي لتدارك الموقف بإدخال دماء جديدة مثل عبد العزيز الفواز وسطام التمبكتي، إلا أن الإعصار الأهلاوي كان قد وصل لقمة ذروته.
في الدقيقة 60، وبصناعة متقنة من المهندس "سبيرتسيان"، ارتقى القناص الإنجليزي إيفان توني ليضع بصمته الخاصة في المباراة مسجلاً الهدف الثالث، وسط ذهول مدافعي الفتح الذين لم يستطيعوا مجاراة النسق العالي. توترت الأعصاب قليلاً، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه كينيدي بواتينج ومروان سعدان من جانب الفتح، وفالنتين أتانغانا إيدوا من جانب الأهلي، في محاولة للسيطرة على الالتحامات القوية.
اللمسات الأخيرة ودراما "الفار" في اللحظات القاتلة
لم يكتفِ الأهلي بالثلاثية، بل واصل البحث عن المزيد رغم التبديلات التي أجراها "بوسيتش" لإراحة نجومه، حيث دفع بفراس البريكان وأرتيم بوندارينكو. وفي الدقيقة 89، انطلق زياد الجهني ليسدد كرة قوية سكنت شباك الفتح، معلنة عن الهدف الرابع الذي أطلق رصاصة الرحمة على آمال أصحاب الأرض. وفي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، وتحديداً في الدقيقة 90+2، ظن الجميع أن الأهلي سجل الخامس عن طريق محمد بكر بصناعة أخرى من سبيرتسيان، لكن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف، لتنتهي المباراة برباعية بيضاء نظيفة.
التحليل الفني: عبقرية التبديلات وتفوق الإحصائيات
كانت المباراة درساً في الاستحواذ والفاعلية؛ حيث سدد الأهلي 15 تسديدة منها 10 على المرمى، في حين لم ينجح الفتح إلا في تسديدة واحدة فقط بين القائمين والعارضة. إدوارد سبيرتسيان كان الرجل الخفي الذي حرك الخيوط فور دخوله، حيث صنع هدفين وكان المحرك الأساسي لوسط الملعب. في المقابل، عانى الفتح من ضعف في التغطية الدفاعية وبطء في الارتداد، مما جعل مرماه مستباحاً أمام مهارات ترينكاو وتحركات إيفان توني.
الخاتمة: الأهلي يزحف نحو القمة والفتح في نفق مظلم
بهذا الفوز العريض، رفع الأهلي رصيده إلى 15 نقطة ليقفز إلى المركز الخامس، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة المنافسة هذا الموسم، وموجهاً رسالة شديدة اللهجة لمنافسيه بأن "الراقي" قد عاد وبقوة. أما الفتح، فقد تجمد رصيده عند 3 نقاط في المركز السابع عشر، ليدخل الفريق في مرحلة حرجة تتطلب مراجعة شاملة قبل فوات الأوان. لقد كانت ليلة خضراء بامتياز في الأحساء، ليلة أثبت فيها الأهلي أن الموهبة عندما تقترن بالتنظيم، تنتج ملحمة كروية لا تُنسى.


