ليلة صفراء في الأول بارك: النصر يسطر ملحمة ثلاثية في شباك الدرعية
تحت أضواء ملعب الأول بارك المتلألئة في قلب العاصمة الرياض، وبحضور جماهيري غفير لم يكف عن الهتاف، رسم نادي النصر لوحة كروية باهرة في ليلة من ليالي دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت استعراضاً للقوة والسيطرة انتهى بفوز عريض للنصر بثلاثية نظيفة على ضيفه الدرعية، في مواجهة أثبتت أن "العالمي" لا يزال يمتلك الأنياب الكافية لتمزيق طموحات المنافسين، معززاً مكانه في وصافة الترتيب ومطارداً للصدارة بكل إصرار.
أجواء ما قبل المعركة: ترقب في معقل العالمي
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم محمد السماعيل، كانت الأجواء في مدرجات الأول بارك تشير إلى عاصفة قادمة. الجماهير النصراوية ملأت الجنبات باللونين الأصفر والأزرق، والأعلام ترفرف ترحيباً بكتيبة المدرب الأسترالي أنج بوستيكوجلو. في المقابل، دخل فريق الدرعية بقيادة مدربه البرتغالي برونو لاج وهو يدرك حجم المهمة الصعبة، محاولاً الاعتماد على التنظيم الدفاعي والروح القتالية لامتصاص حماس أصحاب الأرض. التوقعات كانت تصب في مصلحة النصر، لكن كرة القدم دائماً ما تخبئ المفاجآت، وهو ما جعل الصمت يخيم للحظات مع صافرة البداية، ترقباً لما ستسفر عنه الدقائق التسعون.
الشوط الأول: إعصار نصراوي وبصمة "الدون"
بدأ النصر المباراة بضغط عالٍ، محاولاً فك شفرات دفاع الدرعية مبكراً. وفي الدقيقة 23، انفجر الملعب فرحاً حين ارتقى الأسطورة كريستيانو رونالدو ليعلن عن الهدف الأول، واضعاً فريقه في المقدمة ومشعلاً الحماس في المدرجات. لم يكتف النصر بهذا الهدف، بل استمر في زحفه الهجومي، مما أجبر لاعبي الدرعية على التدخلات الخشنة، حيث نال شانسيل مبيمبا بطاقة صفراء في الدقيقة 28 لمحاولة إيقاف المد الهجومي الأصفر.
وفي الدقيقة 35، تجلت ملامح كرة القدم الجميلة بتمريرة سحرية من النجم جواو فيليكس، وصلت إلى صامويل ألميدا كوستا الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الثاني. ورغم محاولات الدرعية للعودة، إلا أن التوتر سيطر على لاعبيهم، لينال عبد العزيز الفرج بطاقة صفراء في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول (45+2). وبين هذين الحدثين، شهدت الدقيقة 39 لجوء الحكم لتقنية الفيديو (VAR) في لقطة حبست الأنفاس، لكنها لم تغير من واقع تفوق النصر الميداني والنتيجة التي انتهت عليها الحصة الأولى بتقدم مريح بهدفين دون رد.
الشوط الثاني: رصاصة الرحمة وتبديلات تكتيكية
دخل الدرعية الشوط الثاني محاولاً تقليص الفارق، وأجرى برونو لاج تبديلات مزدوجة في الدقيقة 68 بخروج عبد العزيز الفرج وحسين الصبياني ودخول محمد ذيبان حمران ولوفرو شيلفي، في محاولة لضخ دماء جديدة. إلا أن دفاع النصر كان بالمرصاد لكل المحاولات الخجولة. وفي الدقيقة 77، جاءت رصاصة الرحمة من أقدام الفرنسي كينغسلي كومان، الذي استثمر تمريرة متقنة من زميله ساديو ماني ليسكن الكرة الشباك محرزاً الهدف الثالث، ومنهياً أي أمل للضيوف في العودة.
بعد الهدف الثالث، قرر بوستيكوجلو إراحة نجومه وتجربة عناصر أخرى، فأجرى ثلاثة تبديلات دفعة واحدة في الدقيقة 78، بدخول سامي النجعي، أيمن يحيى، وعبدالله الحمدان، بدلاً من كومان، الخيبري، وجواو فيليكس. هذه التغييرات حافظت على إيقاع المباراة ومنحت النصر سيطرة تامة على وسط الميدان حتى الصافرة الأخيرة.
قراءة فنية: سيطرة مطلقة وأرقام تتحدث
تكتيكياً، كان النصر الطرف الأفضل بوضوح، حيث بلغت نسبة الاستحواذ 56%، مع دقة تمرير وصلت إلى 87% من إجمالي 367 تمريرة. القوة الهجومية للعالمي تجسدت في 17 تسديدة، منها 10 تسديدات على المرمى، وهو رقم يعكس الفعالية الكبيرة لخط المقدمة. في المقابل، عانى الدرعية هجومياً، إذ لم يتمكن من توجيه سوى تسديدة واحدة فقط بين القائمين والعارضة طوال المباراة، رغم حصوله على 8 ركلات ركنية.
التبديلات المتأخرة في الدقائق 83 و84، بدخول طاهر وادي، حسين القحطاني، ومشاري النمر من جانب الدرعية، ودخول سعد الناصر من جانب النصر، كانت تهدف لتسيير الدقائق المتبقية. النصر أظهر نضجاً كبيراً في التعامل مع ريتم المباراة، حيث لم يتلق لاعبوه أي بطاقة ملونة، مما يعكس الانضباط العالي للفريق تحت قيادة بوستيكوجلو.
الخاتمة: النصر يواصل المطاردة والدرعية يراجع الحسابات
بهذا الانتصار المستحق، رفع النصر رصيده إلى 19 نقطة، مستقراً في المركز الثاني ومواصلاً ضغطه على المتصدر، ليؤكد جاهزيته الكاملة للمنافسة على لقب دوري روشن السعودي هذا الموسم. أما الدرعية، فقد تجمد رصيده عند 11 نقطة في المركز التاسع، ليبقى أمام المدرب برونو لاج الكثير من العمل لتصحيح الأخطاء الدفاعية وزيادة الفعالية الهجومية في القادم من المواعيد. غادرت الجماهير الملعب وهي تتغنى بأسماء نجومها، في ليلة كانت فيها السيطرة والنتيجة والأداء عنواناً واحداً: النصر لا يرحم في معقله.


