ليالي البندقية الحزينة: ليتشي يروّض فينيزيا في عقر داره بسيمفونية تكتيكية
في قلب مدينة القنوات المائية الساحرة، وبين جدران استاد "بير لويجي بينزو" العريق، لم تكن الأجواء الرومانسية المعتادة لمدينة فينيسيا هي الطاغية، بل كانت رائحة التنافس الشرس في "السيري آ" هي التي تملأ الأفق. في أمسية كروية حبست الأنفاس، نجح فريق ليتشي في العودة إلى دياره بثلاث نقاط ثمينة، بعدما أسقط مضيفه فينيزيا بهدفين دون رد، ليرتقي إلى مراكز الصفوة في جدول ترتيب الدوري الإيطالي، تاركاً أصحاب الأرض في دوامة من التساؤلات والبحث عن الهوية المفقودة.
أجواء ما قبل الصدام: طموح "ستروبا" في مواجهة دهاء "دي فرانتشيسكو"
دخل فينيزيا المباراة تحت قيادة مدربه جيوفاني ستروبا، وعينه على استغلال عاملي الأرض والجمهور لتحسين وضعيته في جدول الترتيب، حيث كانت الجماهير تمني النفس بانتصار يخرج الفريق من مناطق الخطر. في المقابل، وصل ليتشي إلى "البندقية" وهو يحمل طموحات كبيرة بقيادة مدربه الخبير يوسيبيو دي فرانتشيسكو، الذي رسم خطة محكمة تعتمد على الانضباط الدفاعي والتحولات الهجومية الخاطفة. كانت التوقعات تشير إلى مباراة مغلقة، نظراً لقيمة النقاط في هذه المرحلة المبكرة من الموسم، وهو ما تجلى فعلياً في الصراعات البدنية التي بدأت منذ اللحظات الأولى.
الشوط الأول: حذر تكتيكي وصراع في وسط الميدان
أطلق الحكم أنطونيو رابوانو صافرة البداية، ولم تمر سوى ثلاث دقائق حتى ظهرت الجدية والمشاحنات البدنية، حيث تلقى مدافع ليتشي كيالوندا جاسبر بطاقة صفراء مبكرة جداً، كانت بمثابة إنذار للجميع بأن المباراة لن تكون نزهة سهلة. حاول فينيزيا السيطرة على الكرة وبناء الهجمات من الخلف عبر كيكي بيريز وتوما باستش، لكن دفاع ليتشي كان منظماً للغاية، حيث أغلق كافة المنافذ المؤدية لمرماه.
مرت دقائق الشوط الأول وسط محاولات خجولة من الطرفين، غلب عليها الطابع التكتيكي الصرف، حيث فضل كل مدرب عدم المجازفة وترك مساحات في الخلف. لينتهي النصف الأول من اللقاء بالتعادل السلبي، وسط ترقب جماهيري لما ستسفر عنه تغييرات المدربين في الاستراحة.
بداية صاعقة: لدغة "جورتر" التي غيرت الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى دي فرانتشيسكو تبديلاً بدخول كوري ندابا بدلاً من أنطونيو جالا، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى اهتزت الشباك. في الدقيقة 46، ومن هجمة منظمة سريعة، أرسل لاسانا كوليبالي تمريرة حاسمة متقنة وضعت المهاجم اولفا جورتر في وضعية مثالية، ليطلق الأخير تسديدة سكنت شباك فينيزيا، معلناً عن هدف التقدم لليتشي. هذا الهدف المبكر في الشوط الثاني أربك حسابات "ستروبا" تماماً، وأجبر فينيزيا على الخروج من مناطقه الدفاعية بحثاً عن التعادل.
حاول فينيزيا الرد، لكن التوتر بدأ يظهر على لاعبيه، مما أدى لتلقي عمر نجوم بطاقة صفراء في الدقيقة 59. ومع مرور الوقت، بدأ مدرب ليتشي في تنشيط صفوفه، فسحب صاحب الهدف جورتر وأقحم يوسف مالح في الدقيقة 61 للحفاظ على توازن وسط الملعب.
رقعة الشطرنج: تبديلات "دي فرانتشيسكو" تحسم الموقعة
في الدقيقة 64، حاول ستروبا التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأشرك ريدجيسيانو هابس بدلاً من تييري كوريا، ثم أتبعه بدخول ماتيو داجاسو بدلاً من كيكي بيريز في الدقيقة 70. لكن ليتشي كان يمتلك الرد دائماً، ففي الدقيقة 74، قام دي فرانتشيسكو بإجراء تبديلين مزدوجين كان لهما الأثر الحاسم، حيث دخل تياجو جابرييل ونيكولا شتوليتش بدلاً من كونان اندري وويليم كويبيلس.
لم تمر سوى ست دقائق على دخوله، حتى ارتدى تياجو جابرييل ثوب البطولة. ففي الدقيقة 80، ومن مجهود فردي رائع وتمركز ذكي داخل منطقة الجزاء، نجح جابرييل في تسجيل الهدف الثاني لليتشي، ليقتل طموحات أصحاب الأرض ويؤكد تفوق فريقه التكتيكي. هذا الهدف نزل كالصاعقة على جماهير استاد بير لويجي بينزو، التي أدركت أن العودة في النتيجة أصبحت شبه مستحيلة أمام فريق بصلابة ليتشي.
الدقائق الأخيرة: تأمين النتيجة وإحباط "فينيزيا"
شهدت الدقائق الأخيرة محاولات يائسة من فينيزيا لتقليص الفارق، وأجرى ستروبا تبديلات هجومية بدخول ألبيون رحماني وريتشي ساجرادو في الدقيقة 85، لكن الوقت كان قد فات. اتسم اللعب بالخشونة في بعض الفترات، حيث نال دانيللو فيجا من ليتشي وماتيو داجاسو من فينيزيا بطاقات صفراء نتيجة التدخلات القوية.
استمر ليتشي في تسيير المباراة بذكاء، وأجرى تبديلاً أخيراً في الدقيقة 91 بدخول عمري جندلمان لتأمين وسط الملعب، حتى أطلق الحكم أنطونيو رابوانو صافرة النهاية، معلناً فوزاً مستحقاً للضيوف بثنائية نظيفة.
الخلاصة: ليتشي في القمة وفينيزيا في مهب الريح
بهذا الانتصار الباهر، رفع ليتشي رصيده إلى 3 نقاط، ليقفز بقوة إلى المركز الثالث في جدول ترتيب الدوري الإيطالي، مؤكداً أنه سيكون رقماً صعباً في هذا الموسم بفضل انضباطه التكتيكي وقدرة مدربه على قراءة المباريات. في المقابل، تجمد رصيد فينيزيا عند صفر من النقاط، ليقبع في المركز الثامن عشر، وهو مركز لا يليق بطموحات النادي، مما يضع المدرب جيوفاني ستروبا تحت ضغط كبير في الجولات القادمة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
لقد كانت مباراة عنوانها "النجاعة الهجومية"، حيث عرف ليتشي كيف يستغل الفرص التي أتيحت له، بينما عانى فينيزيا من غياب اللمسة الأخيرة رغم سيطرته النسبية في بعض فترات اللقاء. ليلة البندقية انتهت بفرحة جنوبية لليتشي، وحسرة شمالية لفينيزيا، في انتظار ما ستسفر عنه الجولات القادمة من صراع "الكالتشيو" الذي لا يرحم.


