ملحمة "فيا ديل ماري": ليتشي يروّض طموح مونزا في ليلة هجومية صاخبة
تحت أضواء "ستاد فيا ديل ماري" الكاشفة، وفي قلب مدينة ليتشي التي لا تنام حين يتعلق الأمر بكرة القدم، شهد عشاق الدوري الإيطالي فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة عادية في جدول المسابقة، بل كانت مواجهة عكست رغبة الجامحين في الصعود، وصراع البقاء لمن تعثرت خطواتهم. بنتيجة 3-2، نجح ليتشي في حسم معركة كروية حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة، ليترك مونزا يجر أذيال الخيبة في مباراة كانت بمثابة "الأرجوحة" التي لم تهدأ إلا بصافرة النهاية.
بداية عاصفة: إعصار ليتشي يضرب مبكراً
لم يمهل أصحاب الأرض ضيوفهم سوى دقائق معدودة لترتيب أوراقهم؛ ففي الدقيقة الثالثة، وبينما كانت الجماهير لا تزال تأخذ أماكنها في المدرجات، أرسل إيفان إليتش تمريرة سحرية اخترقت دفاعات مونزا، ليجد لاسانا كوليبالي نفسه في مواجهة المرمى، فلم يتوانَ عن إيداعها الشباك معلناً عن الهدف الأول. هذا الهدف المبكر أشعل فتيل الحماس في الملعب، وبدا أن المدرب يوسيبيو دي فرانتشيسكو قد أعد خطة هجومية كاسحة لم يجد مدرب مونزا، إيفان يوريتش، حلاً لها في البداية.
ولم تكد تمر سبع دقائق أخرى حتى تكرر المشهد ذاته؛ إيفان إليتش، مهندس العمليات في وسط الملعب، عاد ليصنع الفارق بتمريرة حاسمة ثانية في الدقيقة العاشرة، وصلت إلى تياجو جابرييل الذي لم يخطئ الطريق نحو المرمى، معززاً تقدم ليتشي بهدف ثانٍ وسط ذهول لاعبي مونزا. كانت الأجواء في "فيا ديل ماري" صاخبة، وكأن الأرض تهتز تحت أقدام الضيوف الذين وجدوا أنفسهم متأخرين بهدفين قبل أن تكتمل الدقائق العشر الأولى.
عشر دقائق من الجنون الكروي
كرة القدم لا تعترف بالاستسلام، وهذا ما حاول مونزا إثباته. ففي الدقيقة العشرين، ومن هجمة منظمة قادها صامويل بيرينديلي، نجح ريكاردو مانجاس في تقليص الفارق بتسجيل الهدف الأول لمونزا، ليعيد الأمل لزملائه وللمدرب يوريتش. لكن هذا الأمل لم يدم طويلاً، بل لم يدم أكثر من ستين ثانية؛ ففي الدقيقة الحادية والعشرين، ومن رد فعل سريع ومذهل، قاد دانيللو فيجا هجمة مرتدة سريعة، مهد فيها الكرة لـ لاسانا كوليبالي الذي أطلق رصاصة الرحمة الثالثة في شباك مونزا، مسجلاً هدفه الشخصي الثاني في المباراة.
هذا السيناريو المجنون جعل المباراة تبدو وكأنها صراع ملاكمة، حيث يتبادل الطرفان اللكمات دون توقف. ليتشي كان الطرف الأقوى والأكثر تركيزاً في استغلال المساحات، بينما عانى دفاع مونزا من بطء الارتداد. وقبيل نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة 38، تلقى كونان أندري بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، مما عكس حالة التوتر والندية العالية في أرض الملعب، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح نسبياً لليتشي بنتيجة 3-1.
صراع التكتيك وتبديلات الأمتار الأخيرة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى المدربان تغييرات جوهرية؛ حيث دفع دي فرانتشيسكو بـ سانتياجو بيروتي بدلاً من كونان أندري لتأمين وسط الملعب، بينما حاول يوريتش تنشيط هجومه بإقحام ادم باكونن بدلاً من مسجل الهدف مانجاس. استمرت المباراة في وتيرة عالية من التحفظ الدفاعي من جانب ليتشي، والمحاولات اليائسة من مونزا للعودة.
في الدقيقة 64، قرر يوريتش إلقاء أوراقه الرابحة، فدفع بالهداف باتريك كوترون وزميله إكسيكويل زيبالوس. هذه التبديلات غيرت من شكل مونزا الهجومي، وبدأ الضغط ينتقل تدريجياً إلى مناطق ليتشي. وفي المقابل، قام ليتشي بسلسلة من التبديلات لإراحة نجومه، فخرج صانع الألعاب إليتش في الدقيقة 66 وسط تحية الجماهير، ودخل عمار أحمد فتح وباكو استيبان في الدقيقة 74 لضخ دماء جديدة في الخطوط الأمامية.
النهاية الدرامية وصمود "فيا ديل ماري"
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي الدقيقة 89، نجح البديل إكسيكويل زيبالوس في هز شباك ليتشي مجدداً، مقلصاً الفارق إلى هدف واحد. اشتعلت المباراة في دقائقها الأخيرة، وارتفع منسوب التوتر، مما أدى لحصول دانيللو فيجا على بطاقة صفراء في الدقيقة 90 نتيجة محاولته تعطيل اللعب. أدار الحكم فاليريو كريزيني الدقائق الأخيرة بحزم وسط ضغط جماهيري رهيب، ليطلق صافرته معلناً فوز ليتشي الصعب والمستحق.
بهذا الانتصار، رفع ليتشي رصيده إلى 6 نقاط، ليقفز إلى المركز العاشر في جدول الترتيب، محققاً توازناً مهماً في مسيرته بالدوري بعد أربع مباريات (فوزين وخسارتين). أما مونزا، فقد استمرت معاناته، حيث تجمد رصيده عند نقطة واحدة فقط في المركز الثامن عشر، مما يضع المدرب إيفان يوريتش تحت ضغوط هائلة في القادم من المواعيد.
خلاصة الملحمة
لقد كانت مباراة ليتشي ومونزا تجسيداً حقيقياً لروح الدوري الإيطالي؛ حيث التكتيك العالي، والتقلبات الدرامية، والمهارات الفردية التي تصنع الفارق. تألق إيفان إليتش بصناعته لهدفين، وحسم لاسانا كوليبالي الأمور بلمساته القاتلة، ليبقى "ستاد فيا ديل ماري" حصناً منيعاً، شاهداً على ليلة لم تكن كغيرها من الليالي، ليلة أكدت أن ليتشي رقم صعب في معادلة "السيري آ" لهذا الموسم.


