عاصفة "زبيري" تزلزل "إل ساردينيرو": راسينج سانتاندير يتجاوز فخ إلتشي في ليلة درامية
في ليلة كروية ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق "إل ساردينيرو"، حبست الأنفاس وتسارعت نبضات القلوب في مواجهة لم تكن مجرد مباراة في الدوري الإسباني، بل كانت ملحمة درامية تجسدت فيها كل معاني الإثارة. استقبل راسينج سانتاندير ضيفه إلتشي في أجواء مشحونة بالحماس، وانتهت الموقعة بفوز صعب ومثير لأصحاب الأرض بنتيجة 3-2، في مباراة كان بطلها الأول الشاب الذي نصب نفسه ملكاً على الأمسية بـ "هاتريك" تاريخي، قبل أن تتحول المباراة في دقائقها الأخيرة إلى صراع بقاء حقيقي.
بين ضجيج المدرجات وطموح النقاط
قبل أن يطلق الحكم كارلوس مونيز صافرة البداية، كانت الأجواء في ستاد "إل ساردينيرو" تشي بمواجهة استثنائية. الجماهير التي ملأت المدرجات كانت تمني النفس بانتصار يعزز موقف الفريق في جدول الترتيب، بينما دخل إلتشي بقيادة مدربه مارتن أنسيلمي وعينه على كسر سلسلة النتائج السلبية والهروب من مناطق الخطر. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، لكن ما حدث في الشوط الأول ضرب بكل التوقعات عرض الحائط، حيث شهدنا تفوقاً كاسحاً لكتيبة المدرب خوسي ألبيرتو لوبيز التي دخلت اللقاء بتركيز ذهني عالي وضغط متواصل على حامل الكرة.
الإعصار "ياسر زبيري" يضرب بقوة
لم يمهل راسينج سانتاندير ضيوفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم، ففي الدقيقة 15، انفجر الملعب فرحاً حين نجح القناص ياسر زبيري في قص شريط الأهداف، معلناً عن تقدم أصحاب الأرض ومشعلاً حماس المدرجات. لم يكتفِ زبيري بهذا الهدف، بل عاد بعد ست دقائق فقط، وتحديداً في الدقيقة 21، ليزور الشباك مرة أخرى بإنهاء مثالي للهجمة، واضعاً إلتشي في موقف لا يحسد عليه.
وبينما كان الضيوف يحاولون استيعاب الصدمة، أبى ياسر زبيري إلا أن يوقع على ليلة تاريخية خاصة به، ففي الدقيقة 36، ومن تمريرة حاسمة متقنة من زميله إينيجو فيسنتي، أطلق زبيري رصاصة الرحمة الثالثة في شباك إلتشي، مكملاً ثلاثيته الشخصية "الهاتريك" في غضون 21 دقيقة فقط من اللعب الفعلي. هذا التفوق الكاسح جعل الجميع يظن أن المباراة قد حُسمت إكلينيكياً، لكن كرة القدم دائماً ما تخبئ أسرارها في طيات الدقائق الأخيرة.
توتر الأعصاب وصمود الدفاع
مع اقتراب الشوط الأول من نهايته، بدأت ملامح التوتر تظهر على لاعبي راسينج سانتاندير نتيجة الضغط البدني، مما اضطر الحكم كارلوس مونيز لإشهار البطاقة الصفراء في وجه فاكوندو جونزاليز في الدقيقة 43، ثم تبعها ببطاقة أخرى لزميله ألفارو مانتيا في الدقيقة 45. هذه الإنذارات كانت مؤشراً على أن الشوط الثاني لن يكون نزهة، رغم التقدم المريح بثلاثية نظيفة.
مع بداية الشوط الثاني، أجرى مارتن أنسيلمي تغييرات جذرية في صفوف إلتشي، حيث دفع بـ إزيكويل بونس وتيتي مورينتا بدلاً من علي هوري ومارك أجوادو، في محاولة يائسة لتعديل المسار. ورغم سيطرة إلتشي على الكرة بنسبة استحواذ وصلت إلى 54%، إلا أن دفاع سانتاندير ظل صامداً لفترة طويلة، معتمداً على الهجمات المرتدة التي كادت أن تضاعف النتيجة في أكثر من مناسبة.
إلتشي ينتفض: دقيقتان من الجنون
دخلت المباراة ثلثها الأخير، وظن الجميع أن راسينج سانتاندير في طريقه لفوز هادئ، خاصة بعد تبديلات المدرب خوسي ألبيرتو الذي سحب نجم اللقاء ياسر زبيري وإينيجو فيسنتي في الدقيقة 69 لإراحتهم. لكن هذا الهدوء سبقه عاصفة خضراء من جانب إلتشي؛ ففي الدقيقة 78، نجح بوبا سانجاري في تقليص الفارق بعد تمريرة من لوكاس سيبيدا، لتعود الروح لصفوف الضيوف.
ولم تكد تمر دقيقة واحدة، حتى صُعق جمهور "إل ساردينيرو" بهدف ثانٍ سريع في الدقيقة 79 حمل توقيع فيرناندو نينو بصناعة من البديل تيتي مورينتا. في غضون 120 ثانية، تحولت النتيجة من 3-0 إلى 3-2، واشتعلت المباراة من جديد، وساد القلق جنبات الملعب خوفاً من ريمونتادا تاريخية قد تطيح بنقاط المباراة من بين أيدي أصحاب الأرض.
صراع تكتيكي في الأمتار الأخيرة
في الدقائق العشر الأخيرة، تحولت المباراة إلى معركة تكتيكية بحتة. حاول مدرب سانتاندير تأمين دفاعاته بالدفع بـ ماجيت غوي بدلاً من المخضرم سيرجيو كاناليس في الدقيقة 85، بينما استنفد إلتشي تبديلاته بحثاً عن هدف التعادل القاتل. وعلى الرغم من أن إلتشي أكمل 222 تمريرة ناجحة مقابل 182 لأصحاب الأرض، إلا أن الفعالية الهجومية كانت تميل لراسينج الذي سدد 4 كرات على المرمى من أصل 8 محاولات، بينما اكتفى إلتشي بتسديدتين فقط على المرمى من أصل 5 محاولات طوال اللقاء.
أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 5 دقائق من الوقت بدل الضائع، ليتنفس لاعبو وجماهير راسينج سانتاندير الصعداء، معلنين عن فوز شاق وضعهم في المركز الثامن برصيد 4 نقاط، محققين انتصارهم الأول في الموسم بعد ثلاث جولات. في المقابل، تجمد رصيد إلتشي عند نقطة واحدة في المركز الثامن عشر، ليزداد الضغط على المدرب أنسيلمي في الجولات القادمة.
خاتمة: ليلة "زبيري" التي لم تكتمل بالهدوء
خرجت جماهير راسينج سانتاندير وهي تتغنى باسم ياسر زبيري، الذي أثبت أنه يمتلك غريزة تهديفية فتاكة، لكن المباراة تركت دروساً قاسية للمدرب خوسي ألبيرتو لوبيز حول ضرورة الحفاظ على التركيز حتى الرمق الأخير. هذا الانتصار ليس مجرد ثلاث نقاط، بل هو دفعة معنوية هائلة للفريق الذي أظهر قدرة على الحسم المبكر، وصموداً في وجه الإعصار المتأخر. أما إلتشي، فقد أثبت أن لديه الشخصية للعودة، لكن الأخطاء الدفاعية الكارثية في الشوط الأول كانت كفيلة بتبديد كل مجهوداتهم في الشوط الثاني.

