ريمونتادا حمراء في قلب القاهرة: الأهلي يقلب الطاولة على الشرقية إنبي في ليلة درامية
تحت أضواء ستاد القاهرة الدولي الكاشفة، وفي ليلة من ليالي الدوري المصري التي لا تُنسى، شهدت الجولة الافتتاحية من دوري "أورا" لموسم 26/27 ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً تكتيكياً وذهنياً تجسدت فيه روح العودة للأهلي المصري، الذي استطاع تحويل تأخره بهدفين نظيفين إلى فوز مثير بنتيجة 3-2 على حساب الشرقية إنبي، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير طويلاً.
صدمة البداية وإعصار الشرقية إنبي
بدأت المباراة وسط أجواء جماهيرية صاخبة، وكان الترقب سيد الموقف مع إطلاق الحكم محمود ناجي لصافرة البداية. دخل الشرقية إنبي، بقيادة مدربه الطموح محمد بركات، اللقاء دون رهبة، معتمداً على تنظيم دفاعي محكم وهجمات مرتدة خاطفة شكلت خطورة بالغة على دفاعات الأهلي الذي يقوده المغربي الحسين عموتة. وفي الدقيقة السابعة عشرة، وقعت المفاجأة الأولى؛ حين استغل علي إيهاب ثغرة دفاعية ليسكن الكرة الشباك، معلناً عن هدف التقدم للضيوف وصدمة في المدرجات الحمراء.
لم يفق الأهلي من صدمته حتى كاد الشرقية إنبي أن يضاعف النتيجة في الدقيقة 23، عندما احتسب الحكم ركلة جزاء انبرى لها محمد حمدي إبراهيم، لكنه أهدرها بغرابة، ليتنفس أنصار الأحمر الصعداء للحظات. إلا أن هذه الفرحة لم تدم سوى دقيقة واحدة؛ ففي الدقيقة 24، ومن تمريرة سحرية من عماد ميهوب، نجح محمد عصام صقر في تعزيز تقدم الشرقية إنبي بالهدف الثاني، واضعاً الأهلي في مأزق حقيقي وأمام جبل شاهق من التحديات.
زئير مروان عطية وبداية رحلة العودة
بينما كانت ملامح القلق تسيطر على وجه الحسين عموتة، بدأ لاعبو الأهلي في استعادة توازنهم تدريجياً. وفي الدقيقة 34، ومن مجهود فردي وتسديدة متقنة، نجح "مسمار" الوسط مروان عطية في تقليص الفارق، محرزاً الهدف الأول للأهلي. هذا الهدف لم يكن مجرد تقليص للنتيجة، بل كان بمثابة "قبلة الحياة" التي أعادت الثقة للاعبين وأشعلت حماس الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف. انتهى الشوط الأول بتقدم الضيوف 2-1، لكن الإحساس في الملعب كان يشير إلى أن فصلاً جديداً من الإثارة ينتظر الجميع في النصف الثاني.
تغييرات عموتة الجريئة تقلب الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، ضغط الأهلي بكل ثقله، لكن التكتل الدفاعي للشرقية إنبي كان بالمرصاد. وفي الدقيقة 62، قرر عموتة إجراء تغييرات جذرية دفعة واحدة؛ حيث غادر طاهر محمد، وكريم فؤاد، وأحمد نبيل كوكا، ليدخل بدلاً منهم سفيان بن جديدة، وكريم الدبيس، وعلي محمود. هذه التبديلات غيرت من شكل الفريق وأعطت حيوية أكبر للأطراف. في المقابل، حاول محمد بركات الرد بتغييرات دفاعية وهجومية في الدقيقة 64، بإدخال حسام غانم ورزاق لابودي ومحمد شريف حتحوت لتنشيط صفوفه.
الضغط الأهلاوي أسفر عن ركلة جزاء في الدقيقة 69، انبرى لها النجم زيزو (أحمد مصطفى محمد) الذي وضعها بهدوء الكبار في المرمى، معلناً عن تعادل الكفتين 2-2. اشتعلت المباراة تماماً، وبدأت البطاقات الملونة تظهر نتيجة التوتر والالتحامات القوية، حيث نال حازم محمد تمساح بطاقة صفراء في الدقيقة 77 بعد تدخل عنيف.
القاضية "أفشة" وسيناريو الجنون
في الدقائق الأخيرة، رمى عموتة بورقته الرابحة الأخيرة، حيث دفع بـ محمد مجدي أفشة وحسين الشحات بدلاً من زيزو وأشرف بن شرقي في الدقيقة 86. وكأن التاريخ يعيد نفسه، وفي الدقيقة التسعين تماماً، ومن تمريرة حاسمة من البديل المتألق سفيان بن جديدة، استلم محمد مجدي أفشة الكرة وأطلق قذيفة سكنت الشباك، مفجراً بركاناً من الفرح في ستاد القاهرة. لقد فعلها الأهلي مجدداً في "وقت أفشة" المعتاد، محققاً ريمونتادا تاريخية في افتتاحية الدوري.
الدقائق الست من الوقت بدل الضائع شهدت استبسالاً دفاعياً من الأهلي للحفاظ على التقدم، وتلقى مروان عطية بطاقة صفراء في الدقيقة 90+6 نتيجة تعطيل اللعب، قبل أن يطلق محمود ناجي صافرته النهائية معلناً فوز الأهلي بنتيجة 3-2 في واحدة من أجمل مباريات البطولة فنياً ودرامياً.
التحليل الختامي: شخصية البطل تفرض نفسها
أثبتت المباراة أن الأهلي يمتلك دكة بدلاء قوية قادرة على صناعة الفارق، حيث كانت تمريرة بن جديدة وهدف أفشة هما مفتاح النقاط الثلاث. الحسين عموتة أدار المباراة بذكاء في الشوط الثاني، بينما دفع محمد بركات ثمن التراجع الدفاعي المبالغ فيه بعد التقدم بهدفين. الأهلي بهذا الفوز حصد أول ثلاث نقاط له في الموسم ليحتل المركز السادس في جدول الترتيب، بينما خرج الشرقية إنبي برأس مرفوعة رغم الخسارة، محتلاً المركز السادس عشر، لكنه وجه رسالة قوية لجميع الفرق بأنه لن يكون لقمة صائغة هذا الموسم.
ختاماً، كانت المباراة خير افتتاح لدوري أورا، حيث جمعت بين الإثارة، الأهداف، والتقلبات الدرامية، لتؤكد أن الكرة المصرية لا تزال تنبض بالحياة والتشويق في كل لحظة.


